ساسي سالم الحاج

23

نقد الخطاب الاستشراقي

ما يطلق عليه عادة المفهوم الأكاديمي « 1 » أو الجامعي ، فإنه قد انحسر في الوقت الحاضر ، لأن ليس كل دراس لإحدى الثقافات الشرقية يمكننا أن نطلق عليه اسم « مستشرق » فيكون هذا المفهوم قد أخذ في الزوال ، بعد أن كانت هذه الدراسات قد تناولت في الماضي جميع المعارف المنصبة على الشرق عامة . ولو أخذنا بعين الاعتبار هؤلاء الناس الذين قاموا بهذه الدراسات والبحوث لوجدناهم تختلف صفاتهم وتخصصاتهم طبقا للمراحل المختلفة التي مرّ بها الاستشراق . فقد اهتم بالشرق قديما وحديثا الرحالة ، والمبشرون ، والضباط ، ورجال الإدارة الاستعمارية ، واللغويّون ، واللاهوتيون ، وعلماء الآثار ، والانثروبولوجيو ، ومؤرخو الحضارات ، والتربويون ، والرومانسيون ، ورجال المخابرات ، والمؤرخون الاقتصاديون ومندوبو الشركات ، وخبراء الأسواق التجارية ، والسياسيون ، والمهتمون بالشرق كافة « 2 » . إن من ذكروا قد اهتم كل واحد منهم بناحية من نواحي الشرق الثقافية ، أو السياسية أو الدينية ، أو العسكرية ، أو الاستعمارية ، أو العلمية ، إلّا أنه من الصعب علينا اعتبارهم جميعا من « المستشرقين » بالمعنى الأكاديمي الذي نقصده . ومن هنا صعوبة تحديد مفهوم الاستشراق والمستشرقين . فليس كل من تناول الشرق في إحدى جزئياته يطلق عليه اسم « مستشرق » . فكثير من الجواسيس والخبراء المتخصصين في الشرق حاليا ليسوا متمكنين في دراساتهم بالقدر الذي كان عليه أسلافهم ، وغالبا لا يتقنون لغات الشعوب الشرقية التي يدرسونها ، ولا تتعدى دراساتهم تلك التقارير البسيطة المقدمة للجهات التي يتبعونها . إن التباين الكبير في مجالات الاستشراق والحقوق المتعددة التي يتناولها ، وطبيعة الناس القائمين بهذه الدراسات ، واختلافهم طبقا للمراحل الأساسية التي مرت بها هذه الظاهرة يجعلنا في موقف صعب لا نحدد بالتدقيق مفهومها سواء أكان ذلك بالمعنى الأكاديمي أو بالمعنى العام للمصطلح ذاته . ومن هنا كان عنوان بحثنا . .

--> ( 1 ) د . شكري النجار ، لما ذا الاهتمام بالاستشراق ، مجلة الفكر العربي ، المرجع السابق ص 60 . ( 2 ) د . رضوان السيد ، ثقافة الاستشراق ومصائره ، مجلة الفكر العربي ، المرجع السابق ص 8 وما بعدها .