ساسي سالم الحاج

22

نقد الخطاب الاستشراقي

« الظاهرة الاستشراقية » ، ونحن عندما اخترنا هذا العنوان قصدنا من ورائه القول : إنه بالرغم من اعتبارنا الاستشراق علما من العلوم الإنسانية ، فإنه لا يتمتع كبقية العلوم الأخرى بصفات الديمومة والثبات والاستقرار . ومن هنا أطلقنا عليه اسم « الظاهرة » . لأن الاستشراق مرّ بمراحل متعددة من دينية إلى سياسية إلى علمية وفي كل مرحلة يتميز بخصائص مخالفة للمرحلة التي تليه تبعا للأغراض التي يتناولها ، والموضوعات التي يدرسها . وعندما وصل إلى المرحلة الأخيرة من تطوره تناقصت موضوعاته ، وانتهت أغراضه ، ولم يعد هناك من جديد يقدمه ، فهو بذلك لا يتصف بصفة الاستمرار والثبات ، ولكنه عبارة عن ظاهرة نمت وازدهرت وتطورت في ظروف معينة لأغراض معينة ، حتى انتهى دورها وتقلّصت آثارها وضاقت حقولها ومجالاتها ، وأصبح الاستشراق في الوقت الحاضر على وشك الزوال النهائي خاصة بعد زوال صنّاعه المتميزين بالدراسة العميقة والصبر الجميل ، والتضحية الجمّة ، ولم يبق لنا اليوم إلّا بعض المستعربين الذين توظفهم بعض الشركات النفطية أو خبراء في وزارات خارجية بعض الدول الغربية والكبرى لتقديم تقارير - عادة لا يعول عليها - لمعرفة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدول الشرقية . إن المفهوم العام للاستشراق لا يخرج عن كونه تلك الدراسات والمباحث التي قام بها الغربيون لمعرفة الشرق من جميع جوانبه ، ونحن لا نسلم مع من يقول : إنه أسلوب فكري يزاوله الغرب على الشرق بغية السيطرة عليه وإخضاعه ، لأننا نكون بذلك قد تناولنا أهدافه وأغراضه وليس مجالاته ومفهومه العلمي . وسترينا هذه الدراسة تعدد هذه الأهداف وتباينها طبقا لكل مرحلة مرّ بها الاستشراق كما أننا لا نسلم بأن عملية السيطرة الغربية على الشرق في الوقت الحاضر هي أسلوب فكري يمارسه المستشرقون . إننا لا ننكر أن كل علم مهما كان نوعه خاصة إذا كان من العلوم الإنسانية يصلح موضوعا يستفاد منه في سياسات الدول ومصالحها ، إلّا أن الاستشراق قدّمه أصحابه كحقيقة ثقافية قبل أن يستخدموه للأغراض السياسية وخدمة الإمبريالية . ومن هنا يمكننا اعتباره ظاهرة ثقافية بالدرجة الأولى قبل أن يسخر لأهداف ومرام أخرى سنتطرق لها في حينها . وإذا عرفنا أن الاستشراق هو التخصص في فروع المعرفة المتصلة بالشرق وهو