ساسي سالم الحاج
21
نقد الخطاب الاستشراقي
الدافع إلى هذه الدراسة سواء أكانت لأهداف دينية أو عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو علمية ، وهذه الدراسة الضخمة أنتجت لنا ما نطلق عليه « الاستشراق » . فما هو المقصود يا ترى بهذا المصطلح من حيث كونه علما أو فنّا ؟ . علينا قبل الإجابة عن السؤال السابق أن نحدد مفهومي العلم والفن حتى نتمكن من تصنيف الاستشراق بينهما . فالعلم ينشد دوما معرفة الحقيقة المجردة حتى وإن كانت لا تلائم عواطفنا وأهواءنا وانفعالاتنا . وفي سعينا الدءوب إلى معرفة الحقيقة فإننا نستخدم وسائل المعرفة المتاحة لنا كالعقل والحواس لنرصد الظاهرة التي ندرسها ثم نشاهد تطورها بعد الملاحظة المستمرة عليها وصولا إلى قانون علمي يفسر هذه الظاهرة . ونحن إذ نفعل ذلك فإننا نخضع أنفسنا لنظام صارم دقيق نتخلّى فيه - كما قلنا - عن ميولنا وأهوائنا الذاتية لندرس الظواهر كما هي لا كما نريدها نحن أن تكون . فإذا طبقنا معايير العلم على الاستشراق وصلنا إلى نتيجة مفادها أنه « علم » وليس فنّا ، لأننا نستخدم القوانين العلمية وصولا إلى الحقائق المبثوثة في هذه الظاهرة العلمية ، فنحن نحتاج إلى لغات أجنبية متعددة للاطلاع على أفكار ودراسات المستشرقين ، ونحن نحتاج إلى معرفة وثيقة بالعلوم والمعارف التي يتناولونها حتى قبل أن يكوّنوا آراءهم الشخصية عنها ، ونحن نحتاج إلى استخدام قوانين المطابقة والمقابلة للموازنة بين النصوص التي يدرسونها . ونحن أخيرا في حاجة إلى قراءة ما يكتبونه على أن نحسن فهمه أولا ، ثم ننتقده ثانيا بعد أن نحققه تحقيقا علميّا ، ونقوم بضبطه لكي نفسر ونحلل ونستخلص من هذه الدراسات الغثّ من السمين ثالثا . نعم ، لا يمكن أن نعتبر الاستشراق علما من العلوم المميزة له خصائصه الذاتية كأي علم آخر ، لأنه من الصعب إثبات ذلك نظرا لطبيعة هذه الدراسة الشمولية التي تناولت كل شيء عن الشرق ولكن لو طبقنا مناهج البحث العلمي الصارمة عليه لاستطعنا القول بأنه « علم » لأننا لا نخضع هذه الدراسة إلى أذواقنا وميولنا وأهوائنا وعواطفنا ، وهي التي يطلق عليها « الفن » ولكننا نخضعها إلى الحقيقة العلمية المجردة مهما خالفت اتجاهاتنا الذاتية لأن أبحاثنا في هذا الخصوص موضوعية « Objectif » كما يقول أصحاب العلم ، وليست ذاتية « Subjectif » كما يقول أهل الفن . ولكن بالرغم من النتيجة التي توصلنا إليها بالخصوص ، فإن عنوان دراستنا هو