غالب حسن
73
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
تَشْكُرُونَ ( ثم ذكر سبحانه الفؤاد والمراد به المبدأ الذي يعقل من الإنسان وهو نعمة خاصّة بالإنسان من بين سائر الحيوان ومرحلة حصول الفؤاد مرحلة وجوديّة جديدة هي أرفع درجة وأعلى منزلة وأوسع مجالا من عالم الحيوان الذي هو عالم الحواس فيتّسع به أولا شعاع عمل الحواس ممّا كان عليه في عامّة الحيوان بما لا يتقدر بقدر ، فإذا الإنسان يدرك بهما ما غاب وحضر وما مضى وما غبر من أخبار الأشياء وآثارها وأوصافها بعلاج وغير علاج ، ثم يرقى بفؤاده أي بتعقله إلى ما فوق المحسوسات والجزئيات فيتعقل الكليات . فيحصل القوانين الكلية . ويغور متفكرا في العلوم النظرية والمعارف الحقيقية ، وينفذ بسلطان التدبر في أقطار السماوات والأرض ) . اذن الفؤاد هنا هو العقل ، وليس من ريب ان سياق الآيات يدل على ذلك بوضوح ويبدو وهذا المعنى بكل جلاء من قوله تعالى : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ . ان الإصغاء ممارسة فكريّة ، وآلته من النوع ذاته ، خاصة ان الإصغاء لا يعني الاستماع المجرّد ، بل هو الفهم والوعي والتثبّت . ومن ناحية أخرى نجد أن العلم يرتبط ارتباطا وثيقا بالفؤاد . . . هذا الارتباط هو المسئوليّة . قال تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا . فهذه دلالة على انسياق الفؤاد إلى العقل ، نعم يستخدم الفؤاد في بعض الأحيان ويراد به الحالة النفسية للانسان ، وفي هذا الاستعمال يكون موردا لحالات متناقضة . قال تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ