غالب حسن
6
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
تحصيل العلم والمعرفة ، وتجلى هذا الحث بوضوح في تكرار مادة العلم ومشتقاته في الآيات الكريمة بما يزيد على تسعمائة مرة . إذ استهل الوحي خطابه بالأمر ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ واردف هذا الأمر بأمر آخر بالقراءة اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فكان هذا الامر ايذانا بدخول البشرية في عهد جديد ، تندمج فيه قراءتان باتساق ، وتغدو كل واحدة منهما وجها للقراءة الأخرى ، تدل عليها ، وتقود إليها ، الأولى هي قراءة كتاب الوحي ، والثانية هي قراءة كتاب الوجود ، أو قراءة الكتاب التدويني والكتاب التكويني . وبموازاة ذلك نبه القرآن إلى منزلقات العقل وآفاته ، فشدد على ذم التقليد الأعمى واتباع الآباء ، والاستسلام لميراثهم ، من دون تمحيص وغربلة . كذلك حذّر من الاعتماد على الظن ، وأوضح أن الظن لا يغني من الحق شيئا ، وان المعرفة الحقة لا بد ان تستند على اليقين ، واتخذ القرآن موقفا لا لبس فيه حيال اتباع الهوى ، فصرّح بأن الهوى يقود إلى التيه ، ويحجب الفؤاد عن رؤية الحق ، ويحول بين العقل وبلوغ الحقيقة . وعمد القرآن إلى استخدام الاستدلال على ما جاء فيه من عقائد واحكام ، ولم يطلب من الناس التصديق بمضمونه بلا برهان ، واستعانت أساليب الاستدلال فيه بما هو مشاهد ومحسوس في هذا الكون الفسيح ، وجرت الأدلة في اطار الأمثال والقصص ، فاكتست بصور واقعية ، منبثقة من حياة الانسان وما يكتنفها من تداعيات ومشاكل . فقد حكت الأمثال القرآنية الواقع المحسوس ، وتحدثت القصص عن تجارب تاريخية عاصرتها الأمم الماضية ، وأشارت آيات عديدة إلى الأرض وما عليها ، والكون وما يزخر به من أجرام تضبطها مجموعة قوانين صارمة لا تتخلف ولا تختلف .