غالب حسن
54
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
بقصدها ودلالتها ومعانيها . قال تعالى : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ . وقال تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . اذن أُولُوا الْأَلْبابِ مصطلح قرآني يجمع بين العقل الكوني والعقل الأخلاقي ، أي العقل الذي يستطيع ان يستنطق الآيات الكونية والحياتية والتاريخية في دلالتها على وجود اللّه ووحدانيته وصفاته ، كما أنه عقل ملتزم اخلاقيا ، عقل مسؤول ، حيث إن ذلك ثمرة الاستنطاق الصحيح ومن هنا يعقد القرآن علاقة قويّة بين الحكمة وذوي الألباب . قال تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . وبناء على ما تقدم ، وبلحاظ هذه الخصائص التي يمتاز بها أُولُوا الْأَلْبابِ كانوا أهلا للعبرة والموعظة والإشارة والتنبيه ، لان أذهانهم متوقدة ومتهيئة للاستماع الواعي الذكي . قال تعالى : عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ . ومن خصائص هذا النفر من الناس ادراك ما يمكن أو يعتبر مفارقة أو تناقضا لدى البعض . قال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ . ان النظرة الساذجة أو العقل غير الثاقب يحسب القصاص لونا من ألوان العدم ، عدم الحياة ، إذ القصاص يستوجب القتل أحيانا ، وعليه هناك عمليّة سلب للحياة ، ولكن حملة العقول الذكية يكتشفون أمرا آخر ، مغايرا تماما لهذا الاستنتاج . ان القصاص بشرطه وشروطه وحسب معايير الشريعة حماية للحياة . . . حياة المجتمع الماديّة والمعنويّة . وبهذا يتجاوز أُولُوا الْأَلْبابِ التناقض الظاهري الذي يبدو من خلال الآية الكريمة ، فهم يجدون الحياة في القصاص . ومن هذا نفهم ان أُولُوا الْأَلْبابِ رزقوا قدرة على الاستنتاج من مواطن قد توهم الآخرين فهم أصحاب فطنة ووعي ورقة .