غالب حسن

28

نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير

ليقلب الفكر فيها . . ومن هذا القبيل قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ . . . . ان الآيات التي تطالب الانسان بالنظر في المفردات الكونية ، كالسماء والأرض والزرع وأعضاء الانسان . . . هذه الآيات التي من هذا النوع ، يأتي فيها النظر وهو يحمل هذا الاستقطاب المزدوج أو هذا الزوج من الادراك ( حس + عقل ) ، كما أن الآيات التي توجّه النظر إلى التجربة التاريخية تكون مسبوقة بكلمة ( سيروا ) ، وقد مرّت علينا شواهد كثيرة في القرآن في هذا الصدد . هناك ( 13 ) موقعا في القرآن الكريم يسبق ( السير ) فيها ( النظر ) ، ( 12 ) موقعا منها يتناول المسألة أو التجربة التاريخية وهناك آية واحدة فقط تدور حول النظر الكوني وقد سبقت بالفعل ( سيروا ) وهي قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ . وهنا ملاحظة مهمّة . . . انّ للتاريخ دورا أو بالأحرى موقعا جذريّا وبنائيا حتى في هذه الآية ، بدلالة الفعل ( بدأ ) ، انها تجربة الخلق ، أي تاريخ الخلق ، لان اطار النظر مصبوب على التكوّن والتشكّل بالنسبة للمفردة الكونية . من عرض الآيات السابقة نفهم ان النظر هو ( البحث ) ، ولذا نجد اللغوي المعروف علي بن عيسى يقول ( النظر : هو الفكر والتأمل لأحوال الأشياء ) ، وهو ليس تلك العمليّة الحسيّة الساذجة فحسب ، وبمقارنة سريعة مع التعقل والتفكر ، نجد انه أرقى منهما كطريق لتحصيل المعارف ، كما أنه يتناول موضوعات أكثر خطورة واهميّة ، فان النظر يستوجب إحاطة سابقة أثرى وأوسع وأعمق . فهو نظر ، حيث توحي الدلالة اللغوية بسمة الانكشاف ، إذ لا بدّ من مراعاة المناسبة بين اللفظ والمعنى في مثل هذه