غالب حسن

215

نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير

بهذه الطريقة الفريدة قياسا إلى الأنبياء الذين سبقوه . . . أنه النداء ! ! ثانيا : ويمكننا ان نتلمّس بعض مناهل هذا التطور من قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ليس من مقترب المبادلة الالهيّة كما يتظهر هذا الواقع الحي بالآية السابقة فحسب ، بل من هذا التوكيد الذي جاء على وزن ( تفعيل ) ، وفي تقديري أن هذا التوكيد لم يأت لأغراض بلاغية تهدف المزيد من تثبيت الحالة عموديا ، بل هي إشارة إلى اتساع ساحة الكلمة ، أي الكشف عن تحرك الكلمة في مجالات متعددة ومترامية ، فهناك حالة من الاتساع المطّرد لمصاديق هذه الكلمة التي بادر اللّه بها موسى عليه السلام ، فالتوكيد فضلا عن تشخيص هوية الاتصال المباشر واعطائه صبغة الحقيقة التي لا شك فيها يمارس الإشارة إلى أن هناك عمليّة تكثير وتوليد في بنية الكلمة الموسويّة وسنأتي على تفصيل أوفى . ثالثا : اتصلت كلمة اللّه بموسى على نحو الاصطفاء الخالص ، إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي الأعراف : 144 ، ويبدو ان هذا العطف مقصود لتجسيد الإشارة إلى ( الكلمة ) ، والّا فهي متضمنة في الرسالة بشكل وآخر ، والاصطفاء مهمّة ( الكلمة ) يعني حملها أمانة للحياة والمجتمع والتاريخ ، أن التكليم من جهة اللّه تبارك وتعالى يفوق في سموّه ورقيه التلقين والابتلاء ، فكأنه عقد مباشر بين اللّه وموسى عليه السلام ، وهو يرتوي حرارة الوجود من هذه الصلة الشهوديّة المستقيمة ، وكان اللّه قد دعاه لتكليمه وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ . فالكلمة هنا تسطع بدلالة الثبوت المتوفر على ذاته حيث يتعدّى درجة الحضور الذي عهدنا مع إبراهيم .