محمد حسين علي الصغير
30
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
مما لا يحيط به الإدراك الحسّيّ كثيرا . والذي أجمله تعالى بقوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ 7 ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ 8 ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ 9 السجدة / 7 - 9 . ولنقف قليلا عند الآية الأولى التي تتحدث عن الملحظ الإيجادي في الخلق لا على نحو المثال ، ولا على صيغة من وجود سابق ، إذ لا وجود هناك لهذا المخلوق الجديد لأنه بعد لم يوجد ، فلما وجد قيل له بأنه الانسان . وقال تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 1 الانسان / 1 . والتفسير الأولي أن الانسان جسد وروح ، أي أنه مركب من حقيقتين متغايرتين ، وحينما اتحدا كان الانسان كائنا حيا ، فإذا افترقا كان هذا الانسان نفسه ميتا وعاد جثمانا ، وهذا وإن كان صحيحا في حد ذاته ، ومقدماته تبني عن نتائجه ، إلا أن القرآن العظيم يومي إلى أبعد من هذا تحديدا حينما جعل الانسان حقيقة واحدة ، فهو إنسان بروحه وبدنه ، وهو إنسان حين مفارقة روحه لبدنه ، فمثله كمثل الماء والتراب حينما يكوّنان حقيقة واحدة عند التماسك أو عند الانحلال . وقوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ السجدة / 11 . فيه دلالة على أن الانسان هو نفس الانسان ، فإذا اتصلت الروح بجسده فهو حيّ ، وإذا انفصلت عنه فهو ميت ، إذن هو إنسان في الحالين ، والنص القرآني في مجموعة دلالاته « يفيد أن الروح التي يتوفاها ويأخذها قابض الأرواح هي التي يعبر عنها بلفظة « كم » وهو الانسان بتمام حقيقته لا جزء من مجموع » « 1 » . ويصور هذا الملحظ « لم يكن شيئا مذكورا » . فهذا الانسان بالطريق الاعجازي في الخلق إنما كان طينا لازبا يندك في طول هذه الأرض وعرضها ، فلم يكن ذا ذكر فهو غير متعين ولا محدد ، وهو حينما صور هذا التصوير البديع ، في خلقه الأول ، وولجته الروح بأمره تعالى ، عاد إنسانا معلوما وموجودا فكان مذكورا ، فهو باللحاظ الأول شيء غير مذكور ، وهو باللحاظ الثاني كيان مذكور ، وهذا ما تفسره رواية الإمام الباقر عليه السّلام : قال : « كان مذكورا في العلم ، ولم يكن
--> ( 1 ) - الطباطبائي ، تفسير الميزان : 20 / 139 .