محمد حسين علي الصغير

31

نظرات معاصرة في القرآن الكريم

مذكورا في الخلق » « 1 » . وفي رواية أخرى عنه عليه السّلام رواها زرارة بن أعين في تفسير جزء الآية ، يقول الباقر عليه السّلام : « كان شيئا ولم يكن مذكورا » « 1 » . فالانسان كان شيئا في علم اللّه وتقديره ، وإن كان معدوما بعد لم يوجد ، ثم صار شيئا مذكورا بعد خلقه وتكوينه ، سواء أنظرنا في ذلك إلى الطريق الاعجازي في الخلق ، أو الطريق الفطري في التكوين المتسلسل المنظور إليه في قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ 4 ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ 5 التين / 4 - 5 . وهذا أيضا طريق إعجازي محض أن يخلق من هذه المادة الميتة إنسانا متكاملا في أحسن تقويم فكان ذا هيئة حسنة ، وصورة مترفة ، وروعة نادرة ، حتى عاد مستويا أيام شبابه ونضارته مثلا ، ثم ردّ إلى الهرم والشيخوخة ، وورد مورد العجز والكبر ، فتسافل في خلقه من قوة إلى ضعف ، ومن نضارة إلى انهدام ، ومن جمال الفتوة إلى تلاشي القوة ، فبعد أن كان ذا هيئة مشرقة وضاءة استبدلها بالكبر والانحناء والخور . ولكن الشذرات الثمينة المتناثرة في القرآن الكريم ، تقتضي الإضافة لهذا الفهم - وإن كان حقا في واقعه - وتريد منا أن نرتفع إلى المستوى الأعظم الذي يحدب على تبليغه القرآن بيانا إليها شموليا لا يغادر شيئا ، وذلك : أن الانسان قد خلق بإرادة اللّه تعالى ولطف عنايته خلقا خاصا فكان نموذجا راقيا للتقويم والثبات والكمال ، وهذا كله يقتضي له أن يتصاعد بروحه وتفكيره وتقدير إلى أعلى عليين ، وهو ما قدره له اللّه تعالى لو تمثل الشكر لنعمه المتواترة ، اعتدادا بهذا العطاء الفياض في الخلق صورة وعلما وإرادة وتفكيرا واختيارا وإبداعا وفلسفة ، فهو بهذا حريّ بأن يعرج بمستواه الخلقي في كل وجوه الخلق الظاهرة والباطنة ، المعروفة لديه والمجهولة إلى حيث يصبح من أهل السعادة والنّعيم السرمدي الخالد . ولكن هذا الانسان - إلا القليل من جنسه - قد انحط بنزعاته اللاإنسانية وسلوكه المنحرف إلى سلخ معنى الانسانية عن نفسه فردّ إلى أسفل سافلين ، وهو نهاية ما يمكن أن يردّ به اللّه إنسانا بانحطاطه إلى الدرجات السفلى المخصصة لأهل العذاب والشقاء والانهيار التام ، فكتب على نفسه

--> ( 1 ) الطبرسي : مجمع البيان : 5 / 406 .