حسن البنا
39
نظرات في كتاب الله
من يحفظ الآية ، ولا ينتقل إلى غيرها إلا إذا طبقها . وهذا هو الفارق بيننا وبينهم ، فالقرآن موجود لم يتبدّل ، ولكنها العزائم في تلقيه ، والنفوس في الأخذ بكلماته والعمل بها « 1 » . فطن الإمام البنا إلى هذا السر ، فعمل على تنفيذه في نفسه أولا ، ثم تربية أتباعه عليه ثانيا . يقول أحد تلامذته الذين عاصروه فترة من الزمن ، عن هذه الحقيقة القرآنية في حياة البنا : " لقد تجدّدت قيمة الآية القرآنية بحركة الإمام البنا ، فأصبحت قيمة حية ، ووسيلة فاعلة لتحويل الإنسان باعتراف علماء ومفكرين معاصرين له أتاحت لهم ظروف حياتهم أن يكونوا قريبين منه . . اعترفوا لهذا الإمام بسلطان فريد : فيه تصبح الآية القرآنية ذات حافز حي يملى على الفرد سلوكه الجديد ، ويدفعه إلى العمل بقوة لا تقاوم . وأصبح القرآن فاعلا ، وكأنه يتنزل اللحظة . فإذا كان الإمام البنا يهزّ سامعيه ويثيرهم ، فلأنه لا يفسّر القرآن ، بل يبعثه في الضمائر التي يهزها هزّا عنيفا . والقرآن لم يعد على هاتين الشفتين وثيقة باردة ، أو قانونا مكتوبا ، ولكنه انبثاق للكلام الإلهى الحي ، ونور يأتي مباشرة من السماء ، وينير الطريق ، ويقود إلى الحق ، ومنبع للطاقة يمنح الإرادة الإنسانية قوة وثباتا . إن التربية التي مارسها حسن البنا تجربة مع الكائن الإنسانى لا تستوحى حرفية القرآن ، بل تغرف من منهل الوحي نفسه . إنها تجربة يصبح نتاجها شديد الحساسية تحت شكل ( الحقيقة القرآنية الفاعلة ) في كل ميادين الحياة . . ذلك أن تربية القرآن شاملة لا تعنى مفهومها المألوف ، فهي لا تقتصر على المسجد أو المعهد ، ولا تختص بالعبادة دون السلوك ، أو تهتم بالفرد وتترك المجتمع ، أو تعنى بالعقيدة وتهمل العمل ، إنما تشمل كل جوانب النفس ، وتعمل في كل ميادين الحياة " « 2 » . ولم تقف علاقة البنا بالقرآن عند قراءته ، وتعلمه وتعليمه للناس ، بل كان يعايش هذا
--> ( 1 ) يراجع في ذلك كتاب ( معالم في الطريق ) للشهيد سيد قطب ، فصل : ( جبل قرآني فريد ) ص 14 - 23 . ( 2 ) انظر : مقدمة كتاب ( منبر الجمعة ) للأستاذ محمد عبد الحكيم خيال ، وقد نقلت منها بتصرف شديد . وهي في الأصل مقال نشر في مجلة ( الدعوة ) في سنة 1976 م .