حسن البنا
33
نظرات في كتاب الله
أبوه إلى أحد شيوخ المسلمين في مدينة السويس ، وكان شيخا ضريرا متقنا لقراءة القرآن ، وأوصاه أن يلقن ابنه القرآن ، ويحفّظه على أصوله . وقد فعل . وكان الزعيم السياسي القبطي المعروف مكرم عبيد يحفظ الكثير من القرآن ، ويحسن الاقتباس منه في خطبه إذا خطب ، وفي مقالاته إذا كتب ، وفي مرافعاته إذا ترافع ، فكانت الكلمات القرآنية تكسب كلمة حلاوة ، وتضفي عليه طلاوة ، وتعطيه قوة لا توجد في غيره من الكلام . ومما يفيده حفظ القرآن في الصغر على أصوله : تقويم اللسان ، وضبط الحروف ، وإخراجها من مخارجها الصحيحة ، وعدم الوقوع فيما يقع فيه العوام وكثير من المتعلمين للأسف ، من عدم تعطيش الجيم ، وعدم إخراج اللسان في الثاء والذال والظاء ، ونحوها ، وعدم تفخيم حروف الإظهار المعروفة من الخاء والصاد والضاد والطاء والظاء والغين والقاف ، ونحو ذلك من الأشياء التي تعودناها ، ولانت بها ألسنتنا من الصغر ، بسبب حفظ القرآن ، وأصبحت لنا طبيعة ثانية . ومثل ذلك متى تفخّم الراء ومتى ترقّق ، ومثل ذلك اللام في لفظ الجلالة ( الله ) متى تفخم ومتى ترقق " « 1 » . البنا ومعركة المصحف : لقد عاش البنا بالقرآن ، وعاش للقرآن ، عاش يطبق القرآن في نفسه ، ويربى تلامذته على العمل به ، كما عاش للقرآن أي : للعمل على إعادته للحياة ، فالناس في عهده لم تكن علاقتهم بالقرآن إلا نيل التبرّك بقراءته ، ولم يكن يتجاوز مآتمهم وقبورهم ، وقد ظلت هذه الفكرة طويلا في أذهان الناس أن موضع القرآن القراءة على الموتى ، أما أن يعرف الناس أن القرآن دستور يجب أن يطبّق فقد كان من المستغرب لديهم . وهذا ما أحياه حسن البنا في نفوسهم وضمائرهم من جديد . " لقد استطاع البنا رغم ما دبّر لوضع حدّ لدعوته - أو حياته - أن يعمل ، وأن يضع في الأرض البذرة الجديدة ، بذرة المصحف ، البذرة التي لا تموت بعد أن ذوت شجرتها
--> ( 1 ) انظر : كيف نتعامل مع القرآن العظيم ؟ للدكتور القرضاوي ص 120 ، 121 . طبعة مركز بحوث السنة والسيرة .