حسن البنا
34
نظرات في كتاب الله
القديمة ، ولم يمت الرجل إلا بعد أن ارتفعت الشجرة في الفضاء واستقرت . لقد حمل حسن البنا المصحف ، ووقف به في طريق رجال الفكر الحديث الذين كانوا يسخرون من ثلاث كلمات : " شرق ، وإسلام ، وقرآن " كان الرجل يريد أن يقول : آن للشرق أن يمحّص أفكار الغرب قبل أن يعتنقها ، بعد أن غدت الحضارة الغربية في نظر أصحابها لا توفى بما يطلب منها " « 1 » . لقد نذر البنا حياته من أجل بيان عوار القوانين والأفكار المستوردة ، وبيان أهمية القرآن وقيمته ، وقيمة تشريعه وخلوده ، وبيان ما حبانا الله عز وجل به من ثروة وكنوز نحن نفرّط فيها ، ونتعامل معها بجهل أو بعدم وعى لقيمتها ، يقول رحمه الله : " إن هذا كتاب الله كمثل ساعة ، بعض الناس يتركونها ، وبعضهم يلعبون بها ولا يعرفون قيمتها ، وبعضهم يستفيدون بأجر إصلاحها ، وآخرون هم الذين يستعملونها في الغرض الذي صنعت من أجله . . وهكذا كتاب الله تعالى ، بعض الناس يعلّقونه على الأبواب ، وبعضهم يضعه تحت وسادته عند النوم وهؤلاء كالأطفال ، وآخرون يقرءونه في الحفلات أو على المقابر ، وهؤلاء هم الذين يتقاضون أجرا عليه ، وقليل من الناس يتعامل مع القرآن فيشرحه ويعلمه ويلتزم تعاليمه ، وهؤلاء هم الذين يضبطون به حياتهم ، ويجاهدون به في سبيل إقامة الدولة الإسلامية . . فنحن نعمل جاهدين ، لكي يصبح القرآن دستورنا . لا دستور لنا إلا القرآن . . فلم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ليكون تميمة يحتجب بها ، أو أورادا تقرأ على المقابر وفي المآتم ، أو ليكتب في السطور ، ويحفظ في الصدور ، أو ليحمل أوراقا ويهمل أخلاقا ، أو ليحفظ كلاما ويهجر أحكاما . . وإنما نزل ليهدى البشرية إلى السعادة والخير قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ المائدة : 15 ، 16 ] . أليس من العيب أيها المسلمون أن ترضوا بأحكام الإفرنج ، ولا ترضوا بحكم الله ، مع أن الله تعالى قد وصم كل أمة لا تحكم بأحكام كتابه بالفسق فقال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما
--> ( 1 ) انظر : " الرجل القرآني " لروبير جاكسون نقلا عن : حسن البنا للأستاذ أنور الجندي ص 301 .