حسن البنا

29

نظرات في كتاب الله

يغفل عن ذكره ، يتلو القرآن على الحافظ منا فيسمع له ، ويلقى بالمصحف - إذا لم يجد حافظا - إلى الصغير فيراجع عليه ، ويملأ البيت بالقرآن والتلاوة سابحا في آيات ، غارقا في ذكريات ، صاعدا إلى سماوات ، يعرف الطريقة التي كان يقرأ بها النبي صلى اللّه عليه وسلم فيقرأ بها ، والمواقف التي كان يقف عندها . وكان تعرو جسمه رعدة ، وتأخذ نفسه روعة ، فيتجهّم لدى آيات الوعيد ، ويشرق عند آيات البشرى والنعيم ، خارجا عن الجوّ الذي يحيا فيه ، غائبا في معنى بعيد بعيد : يكاد - والله - في التنزيل قارئه * يحس صوت رسول الله يرتفع « 1 » ومن إكرام الله للبنا - الرجل القرآني - أن وفقه لامرأة من أهل القرآن ، اكتشفتها أمه عندما كانت تزور أسرة من الأسر الصديقة لها ، فسمعت في إحدى ليالي زيارتها صوتا جميلا يتلو القرآن ، فسألت عن مصدر ذلك الصوت ؟ فقيل لها : إنها ابنتنا فلانة تصلى ، فلما رجعت الأم إلى منزلها ، وأخبرت ابنها بما كان في زيارتها ، وأومأت إلى أن مثل هذه الفتاة الصالحة جديرة أن تكون زوجة له ، وكان ما أشارت به « 2 » . وظلّت علاقة البنا بالقرآن لا تنقطع في سفر أو حضر ، في شغله أم في فراغه ، لقد عاش يتمتم بآيات القرآن ، ومات لخوضه معركة القرآن ، ومن المضحكات المبكيات : أن يغتال الرجل الملقب ب " الرجل القرآني " ويحرّم على الناس قراءة الفاتحة - فضلا عن القرآن - ترحّما عليه وقت وفاته ، فقد كتبت جريدة الكتلة - التي كان يصدرها مكرم عبيد - تقول : " وذلك الرجل الذي اطّلعت من جبهته وصدغيه وعينيه آثار اللكمات . . . يا له من مجرم خطير ! تصوروا أن أحد رجال البوليس ضبطه يتمتم بالفاتحة من إحدى النوافذ أثناء سير جنازة الشيخ حسن البنا الرهيبة ، فصعد إليه واقتاده من بين أطفاله وزوجته ، والسلاح في ظهره مستعدّا ليسكته إذا حاول المقاومة أو الفرار . وكانت جريمته التي صفعه البوليس على وجهه عقابا لها : أنه قرأ الفاتحة على روح الشيخ حسن البنا ! " « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : حسن البنا للأستاذ أنور الجندي ص 277 ، 278 طبعة دار القلم دمشق الأولى . ( 2 ) انظر : الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ( 1 / 68 ) للأستاذ محمود عبد الحليم . ( 3 ) انظر : حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية ، للأستاذ عباس السيسى ص 316 .