السيد علي الموسوي الدارابي
55
نصوص في علوم القرآن
عِلْمٍ ) « 1 » ، وهذا خبر عن ماض ، ولا يجوز أن يتقدّم مخبره ، فيكون حينئذ خبرا عن ماض وهو لم يقع ، بل هو في المستقبل ، وأمثال ذلك في القرآن كثيرة . وقد جاء بذكر الظّهار وسببه ، وأنّها لمّا جادلت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في محكم الظّهار أنزل اللّه تعالى : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها ) « 2 » وهذه قصّة كانت بالمدينة ، فكيف ينزل اللّه تعالى الوحي بها بمكّة قبل الهجرة ، فيخبر بها أنّها قد كانت ولم تكن ؟ ولو تتبّعنا قصص القرآن لجاء ممّا ذكرناه كثيرا لا يتّسع به المقال ، وفيما ذكرناه منه كفاية لذوي الألباب ، وما أشبهه ما جاء به الحديث بمذهب المشبّهة الّذين زعموا أنّ اللّه سبحانه وتعالى لم يزل متكلّما بالقرآن ، ومخبرا عمّا يكون بلفظ « كان » وقد ردّ عليهم أهل التّوحيد بنحو ما ذكرناه . وقد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملة في ليلة القدر أنّه نزل جملة منه في ليلة القدر ، ثمّ تلاه ما نزل منه إلى وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فأمّا أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر فهو بعيد ممّا يقتضيه ظاهر القرآن ، والمتواتر من الأخبار وإجماع العلماء على اختلافهم في الآراء . فأمّا قوله تعالى : ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) « 3 » ، وفيه وجهان غير ما ذكره أبو جعفر وعوّل فيه على حديث شاذّ ؛ أحدهما : أنّ اللّه تعالى نهاه عن التّسرّع إلى تأويل القرآن قبل الوحي إليه به ، وإن كان في الإمكان من جهة اللّغة ما قالوه على مذهب أهل اللّسان . والوجه الآخر : أنّ جبرائيل كان يوحي إليه بالقرآن ، فيتلوه معه حرفا بحرف ، فأمره اللّه تعالى أن لا يفعل ذلك ، ويصغي إلى ما يأتيه به جبرائيل ، أو ينزله اللّه تعالى عليه بغير واسطة حتّى يحصل الفراغ منه ، فإذا أتمّ الوحي به تلاه ونطق به وقرأه . فأمّا ما ذكره المعوّل على الحديث من التّأويل فبعيد ؛ لأنّه لا وجه لنهي اللّه تعالى له
--> ( 1 ) - الزّخرف / 20 . ( 2 ) - المجادلة / 1 . ( 3 ) - طه / 114 .