محمد عمر الحاجي
52
موسوعة التفسير قبل عهد التدوين
- مغالاة الفريقين : ومن يتأمّل فيما تقدم من أدلة الفريقين يتضح له أنهما على طرفي نقيض ، ورأيي أن كل فريق منهم مبالغ في رأيه ، وما استند إليه كل فريق من الأدلة يمكن مناقشته بما يجعله لا ينهض حجة على المدعي . مناقشة أدلة الفريق الأول : فاستدلال ابن تيمية ومن معه على رأيهم بقوله تعالى : ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) [ النحل : 44 ] استدلال غير صحيح ، لأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم - بمقتضى كونه مأمورا بالبيان - كان يبيّن لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن ، لا كل معانيه ما أشكل منها وما لم يشكل . وأما استدلالهم بما روي عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي صلى اللّه عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم يجاوزها حتى يتعلموا ما فيها ، فهو استدلال لا ينتج المدعي ، لأن غاية ما يفيده ، أنهم كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه ، وهو أعم من أن يفهموه من النبي صلى اللّه عليه وسلم أو من غيره من إخوانهم الصحابة ، أو من تلقاء أنفسهم ، حسبما يفتح اللّه به عليهم من النظر والاجتهاد . وأما الدليل الثالث : فكل ما يدل عليه هو أن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه ، شأن أي كتاب يقرؤه قوم ، ولكن لا يلزم منه
--> - تطيقه عقول معاصريه ، ولو فسّره بالأشياء التي ستوجد في القرن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين لتعجب معاصروه أيما تعجب ، ولاستعظموه أيما استعظام ، لأنه للآن ما زال أناس ينكرون أن الأرض كروية ، ولو أنه صلى اللّه عليه وسلم فسّره على قدر عقل معاصريه ومعلوماتهم الكونية لحجّر علينا ولجمد القرآن ، لأنه من يتصدر لتفسير القرآن بعد ذلك سيواجه بأن الرسول فسّره هكذا ، وعليك ألا تزيد عن ذلك ، ولذلك فرسول اللّه ترك تفسير القرآن حتى تأخذ كل مرحلة فكرية من لمحات القرآن بقدر ما تستطيع ، وذلك في أمور الكونيات ، أما المطلوب من الأحكام فقد بينها صلوات اللّه عليه وأوضحها للناس ) .