محمد علي سلامة
96
منهج الفرقان في علوم القرآن
المكلف بالفعل في وقت لعلمه بمصلحة فيه وأن ينهاه عنه في زمان آخر لعلمه بمصلحة فيه » . ويمكن الاستدلال على جوازه عقلا ووقوعه شرعا بوجه آخر حاصله أنه لو لم يكن النسخ جائزا عقلا وواقعا سمعا لما ثبتت نبوة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لكن نبوته قد ثبتت . ودليل الملازمة أنه لو لم يجز النسخ ويقع لكانت الشرائع السابقة باقية . وذلك مستلزم لعدم ثبوت نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم . وأما دليل الاستثنائية فهو أن نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم قامت الأدلة العقلية القطعية على ثبوتها وكل ما كان كذلك فقد ثبت . وإذا كانت نبوته ثابتة فالشرائع السابقة ليست باقية فالنسخ جائز وواقع . وليس لأحد أن يقول إن ثبوت نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم ليس دليلا على النسخ بل قد يجوز أن يكون ذلك بسبب انتهاء أمد الشرائع السابقة ، لأنا نقول إن اليهود والنصارى لا يعترفون بانتهاء أمد شرائعهم وليس عندهم نص صريح يدل على ذلك لذا وجب الإثبات عليهم بالدلائل القطعية وعلى ذلك فالنسخ جائز وواقع . وقد ذكر المانعون أدلة نذكر منها الأهم عندهم ونتبعه بالرد عليه قالوا : - ( أولا ) لو جاز النسخ لكان إما لحكمة ظهرت لم تكن ظاهرة قبله وإما لغير حكمة والتالي بقسميه باطل . أما الأول : فلأنه يلزم البداء المستلزم لسبق الجهل وهو محال على الله تعالى . وأما الثاني فلأنه مستلزم للعبث وهو محال أيضا عليه تعالى . ( وأجيب أولا ) بمنع الملازمة لأن كلا من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلوم له تعالى من قبل فلم يتجدد علمه بها وإن تجددت الحكمة بأن حصلت بعد أن لم تكن حاصلة وهذا لا يقتضى سبق الجهل بها وليس هذا من باب البداء بل هو من نقل العباد من عبادة إلى عبادة أخرى ومن حكم إلى حكم آخر لضرب من المصلحة معلوم له من قبل وذلك لإظهار حكمته وكمال مملكته . ومن المعلوم أن الشرائع يقصد بها مصالح الخلق ، والعالم بالمصالح تتبدل خطاباته على حسب تبدل المصالح كالطبيب الذي يراعى أحوال المريض فيأمره باستعمال الدواء على نحو خاص إلى زمان معين وينهاه عنه في وقت آخر وكل