محمد علي سلامة

59

منهج الفرقان في علوم القرآن

« الدليل الرابع » لو لم تكن العبرة بخصوص السبب بل بعموم اللفظ لكان اللفظ الذي هو بمنزلة الجواب غير مطابق للسبب الذي هو بمنزلة السؤال لأن السؤال حينئذ يكون خاصا والجواب يكون عاما وعدم المطابقة باطل لأنه ينافي مقاصد بلاغة القرآن . ويجاب عن هذا الدليل أيضا بأننا نمنع الملازمة إذ المطابقة حاصلة لزيادة الجواب عن السؤال والزيادة لا تخرجه عن المطابقة لأنها عبارة عن تناول الجواب لما تناوله السؤال ولو زاد الجواب ، نعم لو كان الجواب خاصا والسؤال عاما لما كانت بينهما مطابقة فهذا الدليل أيضا لم يتم فلم يثبت به المدعى . وإذ قد بطلت أدلة غير الجمهور وثبتت أدلة الجمهور وكان رأيهم وهو أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد ثم إننا قد أشرنا في أول هذا البحث إلى أن الكل قائل بعموم الحكم لغير صورة السبب وأنه متعد إليه غير أن الجمهور يقولون بأن العموم مستفاد من النص وأما غير الجمهور فيقول إن حكم غير صورة السبب ثابت بالقياس على صورة السبب فليس هناك من يقول إن حكم اللعان مثلا أو الظهار قاصر على صورة سببه وهو من نزل فيه لا يتعداه إلى غيره بل الجميع يقول بأن الحكم شامل ومتعد على الوجه الذي ذكرناه . ويظهر أن فائدة الخلاف حينئذ هي أن حكم غير صورة السبب يكون ثابتا بالنص الذي هو قطعي الثبوت وعند غيره يكون ثابتا بالقياس وهو ظني لكن إن تأيد بإجماع فيكون قطعيا به فتنبه لذلك . ولهذا قال ابن تيمية ما نصه : قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصا كقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس ، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد اللّه وإن آية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ نزلت في بني قريظة والنضير ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من اليهود والنصارى أو في قوم من المؤمنين . فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم