محمد علي سلامة
53
منهج الفرقان في علوم القرآن
فهذان الإسنادان صحيحان ولا مرجح لأحدهما عن الآخر ويمكن الأخذ بهما معا ويحمل ذلكم على أن أول من سأل هلال بن أمية وصادف مجىء عويمر قبل إجابته ، فنزلت الآية في شأنهما معا مبينة لحكم الحادثة التي وقعت لكل منهما وهي من نوع واحد ولا مانع من ذلك . ( الحالة الرابعة ) أن يستوى الإسنادان في الصحة ولا مرجح لأحدهما ولا يمكن الجمع بينهما والأخذ بهما معا ، فيحمل ذلك على تكرر نزول الآية الواحدة عقب كل من السببين أو الأكثر ، ولا مانع من تكرر النزول تعظيما لشأن المنزل وتذكيرا به عند حدوث سببه حتى لا ينسى « ومثاله » ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به فقال لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزل جبريل والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واقف بخواتيم سورة النحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة . وما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي بن كعب « قال لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم ، فلما كان يوم فتح مكة أنزل اللّه وَإِنْ عاقَبْتُمْ الآية . فالرواية الأولى تقتضى أن هذه الآية نزلت يوم أحد والثانية تقتضى أنها نزلت يوم الفتح وقد ثبت أن سورة النحل كلها مكية بما فيها هذه الآية فيحمل على أن هذه الآية نزلت ثلاث مرات أولا بمكة قبل الهجرة ثم ثانيا يوم أحد ثم ثالثا يوم الفتح تذكيرا من اللّه لعباده وتعظيما لشأن ما تضمنته وتمكينا لروح العدل من نفوسهم حتى في حالة ظفرهم بعدوهم وظهورهم وذلك من كمال عناية اللّه بعباده المؤمنين وحسن تأديبهم وتهذيبهم . فحاصل ما تقدم في تعدد السبب ستة أحوال أربعة منها مصرح فيها بذكر السبب في كل من الإسنادين وهي الأربعة الأخيرة وواحدة لم يكن في إسناديها تصريح بذكر السبب وهي الأولى قبل الأربعة وواحدة صرح فيها بذكر السبب في أحد الإسنادين دون الآخر وهي الحالة الثانية قبل الأربعة وقد علمتم حكم كل بالتفصيل .