محمد علي سلامة

29

منهج الفرقان في علوم القرآن

وقراءته على لسانك ، وفضلا عن ذلك فإن القائل يلزمه أمور مخالفة لصريح القرآن والسنة والإجماع ، منها أنه لا يكون لفظه معجزا ومنها أنه لا يكون متعبدا بتلاوته وغير ذلك ، لذا كان هذا الزعم ساقطا عن الاعتبار . قال الجويني كلام اللّه المنزل قسمان ، قسم : قال اللّه لجبريل قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن اللّه يقول افعل كذا وكذا وأمر بكذا وكذا ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل علي ذلك النبي وقال له ما قاله ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة كما يقول الملك لمن يثق به قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال فإن قال الرسول يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة . ( وقسم آخر ) قال اللّه لجبريل اقرأ على النبي هذا الكتاب ، فنزل جبريل به من اللّه من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول اقرأه على فلان فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا ا ه . ( فالقسم الثاني هو القرآن والقسم الأول هو السنة وقد ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن وقد تبين بما ذكر حكمة جواز رواية السنة بالمعنى للعارف الضابط وعدم جواز راوية القرآن بالمعنى وذلك لأن السنة أداها جبريل بالمعنى ، وأما القرآن فإنه أداه باللفظ وقد كان ذلك من تيسير اللّه على الأمة حيث جعل المنزل إليهم علي قسمين : قسم يروونه بلفظه الموحى به ، وقسم يروونه بالمعنى ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق ذلك عليهم ولو جعل كله مما يروى بالمعنى لم يؤمن فيه التبديل والتحريف . ويؤيد ذلك ( أولا ) أن نزول القرآن إذا ذكر في القرآن مقيدا لم يقيد إلا بأنه من عند اللّه ، قال تعالي حم 1 تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ « 1 » وقال تعالي وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ « 2 » فهذا يدل على أن القرآن منزل من عند اللّه وهو كلامه كما قال تعالى حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ « 3 » وليس كلام غيره ولا يجوز أن يقال إن القرآن عبارة عن كلام

--> ( 1 ) سورة الجاثية ( الآيتان 1 ، 2 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ( الآية 114 ) ( 3 ) سورة التوبة ( الآية 6 )