محمد علي سلامة

28

منهج الفرقان في علوم القرآن

معنى نزول القرآن النزول مصدر نزل ومعناه لغة الإيواء ، ومنه نزل الأمير المدينة أي آوي إليها ، وقوله تعالى وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً « 1 » ويطلق لغة أيضا على تحريك الشيء من علو إلي سفل ومنه أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً « 2 » وكلا المعنيين اللغويين لا يتحقق في إنزال القرآن لاستدعائهما المكانية والجسمية فيكون معنى مجازيا . فأنزل القرآن بمعنى الكلام القائم بذات اللّه تعالى معناه إثبات الألفاظ الدالة عليه في اللوح المحفوظ ، وبمعنى اللفظ إثباته في اللوح المحفوظ أو في سماء الدنيا بعد إثباته فيه وهو معنى نزوله في ليلة القدر ، ومعنى نزول القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نزول حامله وهو الملك وهو حامل حروفه الملفوظة أو صورها المحفوظة أو المكتوبة من باب إطلاق اسم الحال على المحل وهو مجاز متعارف مثل قولك أرسلت هذا الكلام إلى فلان بمعنى أرسلت من يحمله . وعلى هذا فالملك كان يتلقف القرآن من اللّه تعالى تلقفا روحانيا أو يحفظه من اللوح المحفوظ ثم ينزل به فيلقيه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وكيفية تلقيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، عن جبريل بأحد طريقين ( أحدهما ) أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انخلع من الصورة البشرية إلى الصورة الملكية وأخذه عن جبريل ( الثاني ) أن الملك انخلع من الصورة الملكية إلى الصورة البشرية فأخذه الرسول عنه والأول أشد . والذي نزل به جبريل وألقاه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو اللفظ والمعنى معا ولا عبرة بزعم بعضهم أنه نزل بالمعنى ثم عبر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغة العرب مستندا إلى قوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ « 3 » فإنه لا يشهد له لأن القلب كما ينزل عليه المعنى ينزل عليه اللفظ ومنه إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ « 4 » أي جمعه في قلبك

--> ( 1 ) سورة المؤمنون ( الآية 29 ) . ( 2 ) سورة الرعد ( الآية 17 ) . ( 3 ) سورة الشعراء ( الآية 193 ) . ( 4 ) سورة القيامة ( الآية 17 ) .