محمد علي سلامة

116

منهج الفرقان في علوم القرآن

ومع ذلك فقد ضم إليه عثمان ثلاثة من أوثق « القراء » وأعلمهم وهذه المزايا مجتمعة لا تقتضى أفضلية زيد على عبد اللّه بن مسعود ولا على أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وإنما تقتضى أهليته التامة لما عهد إليه به . ( ثانيا ) من الشبه قيل : كيف يكون القرآن كله متواترا مع أن زيد بن ثابت قال في أثناء ذكره لحديث جمع القرآن في الصحف وهو الجمع في عهد أبى بكر « فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره ، لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ إلى آخرها . وقال في ذكر جمع القرآن في عهد عثمان فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شهادته بشهادة رجلين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فهذا الذي نقل عن زيد يدل على أنه اعتمد في بعض آيات القرآن على خبر الواحد الذي لا يتحقق به التواتر وذلك ينافي ما هو مقرر من أن القرآن كله جملة وتفصيلا منقول بالتواتر المفيد للقطع . ( ويجاب ) بأن ما نقل عن زيد بن ثابت لا ينافي تواتر القرآن جملة وتفصيلا لأنك قد علمت أن الاعتماد في جمع القرآن كان على المصدرين معا الحفظ والكتابة والغرض من الاعتماد على الكتابة التوثق بأنه مما كتب بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإلا فمجرد الحفظ كاف في النقل إذا بلغ حد التواتر . فمعنى قول زيد في الحادثتين « لم أجدها عند غيره » أي لم أجدها مكتوبة وذلك لا ينافي أنها كانت محفوظة بدليل قوله في الحادثة الثانية « فقدت آية كنت أسمعها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » فهو كان يذكرها ويذكر أنه سمعها ولكنه يبحث عن كونها مكتوبة عند أحد ولم يشترط أحد التواتر في الكتابة بمعنى أنها تكون مكتوبة عند جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب بل التواتر مشترط في الرواية من الحفظ . سلمنا أن خزيمة وأبا خزيمة هما اللذان كانا يحفظان ما ذكرا فلا يدل ذلك على عدم سماع جمع كثير يؤمن تواطؤهم على الكذب لها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإنما كان ذلك غائبا عن أذهانهم فلما ذكر كل من خزيمة وأبى خزيمة ما ذكر تذكر الصحابة ذلك وأقروه فكان تواترا يفيد العلم القطعي وهو المطلوب .