محمد علي سلامة
104
منهج الفرقان في علوم القرآن
« ثانيهما » أن كثيرا من الصحابة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتب كثيرا منه على قدر ما تسهل له وكانت كتابتهم له أيضا متفرقة غير مجموعة في مصحف واحد ، وإن صار مكتوبا جميعه عند مجموعهم بمعنى أن هذا كتب كذا وذاك كتب كذا وقد يتفق عدد منهم فيما كتبوا وقد يزيد أحدهم عن الآخر وقد يكتب أحدهم سورة أو أكثر غير ما كتبه الآخر وهكذا . وإنما لم يجمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته ولما كان يترقبه أيضا من تتابع الوحي ، وأيضا فإن ترتيب آياته وسوره ليس على ترتيب نزوله فقد كانت تنزل آية أو سورة وتكون في الترتيب قبل التي نزلت قبلها وهكذا فيكون جمعه في مصحف واحد عرضة للتغيير والتبديل فلما انقضى نزوله بوفاته صلّى اللّه عليه وسلّم وعلم ترتيبه ألهم اللّه الخلفاء الراشدين جمعه على النحو المخصوص وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد أبى بكر الصديق بمشورة عمر رضى اللّه عنهما كما سيأتي . والسبب الباعث على جمع القرآن أي كتابته بأمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « أمور » : « أولها » تبليغ الوحي على الوجه الأكمل لأن الاعتماد على حفظ الصحابة غير كاف لأنهم عرضة للنسيان وللموت فلو اعتمد على حفظهم وحده لخشى ضياع شئ منه بالنسيان أو بالموت أما الكتابة فباقية لا يتطرق إليها ذلك . « ثانيها » تبليغ الشاهد الغائب وتبليغ الصحابة لمن بعدهم . « ثالثها » معاضدة المكتوب للمحفوظ ولذا كان الحفظ والكتابة مصدرين رجع إليهما الصحابة عند جمع القرآن في مصحف واحد . « وقد امتازت الكتابة في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم » بأمور : ( أولها ) أنه لم يكن مجموعا في مصحف واحد . ( ثانيا ) أنه لم يكن مرتب السور والآيات . ( ثالثا ) أنه كان مكتوبا بالأحرف السبعة التي نزل عليها . ( رابعا ) أن بعض الصحابة كان قد كتب بعض المنسوخ تلاوة وبعض ما هو ثابت بخبر الواحد ولم يقتصر على ما ثبت بالتواتر كما سيأتي .