نبيل أحمد صقر
249
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
ولا خلاف أن هاته الفواتح حين ينطق بها القارئ أسماء لحروف التهجي التي ينطق في الكلام بمسمياتها ، وأن مسمياتها الأصوات المكيفة بكيفيات خاصة تحصل في مخارج الحروف ، ولذلك إنما يقول القارئ ( ألف لام ميم ) مثلا ولا يقول ( ألم ) . وإنما كتبوها في المصاحف بصور الحروف التي يتهجى بها في الكلام ، ولم يكتبوها بدوالّ ما يقرءونها به في القرآن لأن المقصود التهجي بها ، وحروف التهجي تكتب بصورها لا بأسمائها . ومثل لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليه ، وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال المندرجة تحتها ، وإلى هنا خلص أن الأرجح من تلك الأقوال الثلاثة وهي كونها تلك الحروف لتبكت المعاندين وتسجيلا لعجزهم عن المعارضة ، أو كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها ، أو كونها أقساما أقسم بها لتشريف قدر الكتابة ، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية ، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها : فإن الأقوال الثاني والسابع والثامن والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضية من أسماء أو كلمات لكان حق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها ، لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليها ، وهذا أولى لأنه أشمل الأقوال ، وعرفت اسميتها من دليلين : أحدهما اعتوار أحوال الأسماء عليها مثل التعرف حين تقول : الألف ، والباء ، ومثل الجمع حين تقول الجيمات ، وحين الوصف حين تقول ألف ممدودة ، والثاني ما حكاه سيبويه في كتابه : قال الخليل يوما وسأل أصحابه كيف تلفظون بالكاف التي لك والباء التي في ضرب ، فقيل نقول كاف باء فقال : إنما جئتهم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف ، وقال أقوال كه وبه « يعنى بهاء وقعت في آخر النطق به ليعتمد عليها اللسان عند النطق إذا بقيت على حرف واحد لا يظهر في النطق به مفردا » « 1 » .
--> ( 1 ) التحرير والتنوير ج 1 ص 206 - 207 .