نبيل أحمد صقر

197

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ « 1 » فجاء فعل " أتوا " مضمنا معنى مرّوا فعدى بحرف على ؛ لأن الإتيان تعدى إلى اسم القرية والمقصود فيه الاعتبار بمآل أهلها ، فإنه يقال أتى أرض بنى فلان ، ومر على حي كذا ، وهذه الوجوه كلها لا تخالف أساليب الكلام البليغ ، بل هي معدودة في دقائقه ونفائسه التي تقل نظائرها في كلام بلغائهم لعجز فطنة الأذهان البشرية عن الوفاء بجميعها « 2 » . وعن نظم القرآن وجمعه بين الموعظة والتشريع « 3 » على خلاف ما جاء من أساليب العرب . . . يقول : « نرى من أعظم الأساليب التي خالف بها القرآن أساليب العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه وهما : مقصد الموعظة . ومقصد التشريع ، فكان نظمه يمنح بظاهرة السامعين ما يحتاجون أن يعلموه وهو في هذا النوع يشبه خطبهم ، وكان في مطاوي معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكاما كثيرة في التشريع والآداب وغيرها ، وقد قال في الكلام على بعضه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ « 4 » ، هذا من حيث ما لمعانيه من العموم والإيماء إلى الحلل والمقاصد وغيرها » « 5 » .

--> ( 1 ) سورة الفرقان : الآية 40 . ( 2 ) التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 113 . ( 3 ) ذكر الزمخشري في تفسير قوله تعالى : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ الرحمن : 1 ، 2 . « عدّد اللّه عز وعلا آلاءه فأراد أن يقدم أول شئ ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه وهي نعمة الدين ، فقدم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقبها ، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحى اللّه رتبة وأعلاه منزلة ، وأحسنه في أبواب الدين أثرا ، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها العيار عليها » . تفسير الزمخشري ، ج 4 ، ص 43 . ( 4 ) سورة آل عمران : الآية 7 . ( 5 ) التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 116 .