نبيل أحمد صقر

198

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

وعن ألفاظ القرآن وائتلافها ، ونظام فواصله الذي لم يعرفه العرب قبل نزوله ، وتميزه عن فنون القول السابقة له ، وانتشاره بين القبائل لخفته على الأسماع والقلوب والألسن وتأثيره الروحاني . . . يقول : « وكان لفصاحة ألفاظه وتناسبها في تراكيبه وترتيبه على ابتكار أسلوب الفواصل العجيبة المتماثلة في الأسماع ، وإن لم تكن متماثلة الحروف في الأسجاع ، كان لذلك سريع العلوق بالحوافظ خفيف الانتقال والسير في القبائل ، مع كون مادته ولحمته هي الحقيقة دون المبالغات الكاذبة والمفاخرات المزعومة ، فكان بذلك له صولة الحق وروعة لسامعيه ، وذلك تأثير روحاني وليس بلفظي ولا معنوي . وقد رأيت المحسنات في البديع جاءت في القرآن أكثر مما جاءت في شعر العرب ، وخاصة الجناس كقوله : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً « 1 » ، والطباق كقوله : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ « 2 » ، وقد ألف ابن أبي الإصبع كتابا في بديع القرآن . وصار - لمجيئته نثرا - أدبا جديدا غضا ومتناولا لكل الطبقات ، وكان لبلاغته وتناسقه نافذ الوصول إلى القلوب حتى وصفوه بالسحر وبالشعر أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 104 . ( 2 ) سورة الحج : الآية 4 . ( 3 ) سورة الطور : الآية 30 . وانظر التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 119 . وانظر د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، ص 340 .