نبيل أحمد صقر

194

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

وقوله : يا أَرْضُ ابْلَعِي « 1 » ، وقوله : صِبْغَةَ اللَّهِ « 2 » إلى غير ذلك من وجوه البديع . ورأيت من محاسن التشبيه عندهم كمال الشبه ، ورأيت وسيلة ذلك الاحتراس ، وأحسنه ما وقع في القرآن كقوله تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ « 3 » . احتراس عن كراهة الطعام : وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى « 4 » احتراس عن أن تتخلله أقذاء من بقايا نحلة . والحديث هنا عن بعض وجوه البلاغة مثل حسن المطابقة ، والالتفات ، والاستعارة ، ومحاسن التشبيه ، ومدى اهتمام العرب بهما ، وامتياز امرئ القيس فيهما ، وما جاء في القرآن منهما على وجوه بديعة غير مسبوقة أسكتت الفصحاء . ويمثل التقديم والتأخير وصياغتهما في جمل القرآن عند ابن عاشور لونا من ألوان الإعجاز ، ويأتي بمثل في هذه المقدمة ، ويفصل القول فيه : « وإن للتقديم والتأخير في وضع الجمل وأجزائها في القرآن دقائق عجيبة كثيرة لا يحاط بها وسننبّه على ما يلوح منها في مواضعه إن شاء اللّه . وإليك مثلا من ذلك يكون لك عونا على استجلاء أمثاله . قال تعالى :

--> ( 1 ) سورة هود : الآية 44 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 138 . ( 3 ) سورة محمد : الآية 15 . ( 4 ) سورة محمد : الآية 15 . وانظر التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 109 .