نبيل أحمد صقر
195
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً إلى قوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً * حَدائِقَ وَأَعْناباً إلى قوله : وَكَأْساً دِهاقاً * لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً « 1 » ، فكان للابتداء بذكر جهنم ما يفسر المفاز في قوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً أنه الجنة لأن الجنة مكان فوز . ثم كان قوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ما يحتمل لضمير ( فيها ) من قوله لا يَسْمَعُونَ فِيها أن يعود إلى وَكَأْساً دِهاقاً وتكون ( في ) للظرفية المجازية أي الملابسة أو السببية أي لا يسمعون في ملابسة شرب الكأس ما يعترى شاربيها في الدنيا من اللغو واللجاج ، وأن يعود إلى ( مفازا ) بتأويله باسم مؤنث وهو الجنة وتكون ( في ) للظرفية الحقيقية أي لا يسمعون في الجنة كلاما لا فائدة فيه ولا كلاما مؤذيا . وهذه المعاني لا يتأتى جميعها إلا بجمل كثيرة لو لم يقدم ذكر جهنم ولم يعقب بكلمة ( مفازا ) . ولم يؤخر ( وكأسا دهاقا ) ولم يعقب بجملة لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً . . . إلخ « 2 » . فالتقديم والتأخير في هذه الآية قد أغنى عن كثير من الكلام اللذان لولاهما لطال ، واحتاج الأمر إلى كثير من التفاصيل لبلوغ المعنى المقصود ، وقد كان الإيجاز فن العرب الأول ، والتمكن منه والقدرة عليه معيار أساسي من معايير التصرف في الكلام على وجه بليغ « 3 » .
--> ( 1 ) سورة النبأ : الآيات من 21 إلى 35 . ( 2 ) التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 111 . ( 3 ) « سأل معاوية بن أبي سفيان صحار بن عياش العبدي عن البلاغة ، فأجاب صحّار : الإيجاز ، فاستفسر عنه ، فقال صحار : لا تبطئ ولا تخطئ » . الجاحظ ، أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب " ت 155 ه " ، البيان والتبيين ، ج 1 ، ص 54 ، دار الكتب العلمية ، بيروت - لبنان .