احمد بن محمد بن عبد الكريم الأشموني / زكريا بن محمد الانصاري
162
منار الهدى في بيان الوقف و الابتدا و معه المقصد لتلخيص ما في المرشد للأنصاري
لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا ، عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ، بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً ، أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، فإن اللفظ لفظ الاستثناء والتقدير الرجوع من إخبار إلى إخبار ، ومن معنى إلى معنى ، وللعلماء في ذلك اختلاف كبير يطول شرحه . وحاصله أن الاستثناء إن كان يتعلق بالمستثنى منه لم يوقف قبل إلا ، وإن كان بمعنى لكن ، وأن ما بعده ليس من جنس ما قبله نحو : لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ، إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ ، إذ لم يستثن الظنّ من العلم ، لأن اتباع الظنّ ليس بعلم ، المعنى لكنهم يتبعون الظنّ ، والنحويون يجعلون هذا الاستثناء منقطعا ، إذ لم يصح دخول ما بعد إلا فيما قبلها ، ألا ترى أن الأمانيّ ليست من الكتاب ، وتكون إلا بمعنى الواو عند قوم نحو قوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، وكقوله : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً ، ونحو قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً . قال أبو عبيدة بن المثنى : إلا بمعنى الواو ، لأنه لا يجوز للمؤمن قتل المؤمن عمدا ولا خطأ . ومن الاستثناء ما يشبه المنقطع كقوله : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ، فقوله : إِلَّا فِي كِتابٍ منقطع عما قبله ، إذ لو كان متصلا لكان بعد النفي تحقيقا ، وإذا كان كذلك وجب أن يعزب عن اللّه تعالى مثقال ذرّة وأصغر وأكبر منها إلا في الحال التي استثناها ، وهو قوله : إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهذا لا يجوز أصلا ، بل الصحيح الابتداء بإلا على تقدير الواو : أي وهو أيضا في كتاب مبين ، ونحو ذلك قوله : وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها إلى قوله : فِي كِتابٍ مُبِينٍ ، ومعنى : فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي : ليس من توفيق اللّه وكرامته في شيء ، أوليس فيه للّه حاجة ، أي : لا يصلح لطاعته ولا لنصرة دينه . وقال الزجاج :