احمد احمد بدوي
9
من بلاغة القرآن
مقدّمات تمهيدية : العمل الأدبي يقف الأديب عند سرير جندي جريح ، عائد من ميدان القتال ، فيثير فيه منظره معاني شتى ، للبطولة والتضحية ، أو يدخل مصنعا ، قد انصرف فيه كل عامل إلى آلته ، ومضت الآلات في عملها تنتج مسرعة ، فيوحى إليه ما يراه ، بخواطر عن الدأب ، والنظام ، والتقدم ، ويحاول أن يسجل إحساسه إزاء ما رأى وأن ينقل هذا الإحساس إلى غيره ، فينشئ مقالة ، أو يقرض قصيدة ، أو يؤلف قصة أو رواية ، ويغضب الخطيب لأمر ، فيحاول نقل غضبه في خطبة إلى سامعيه ، ويختار لذلك ألفاظه وأساليبه ، بحيث تنقل إحساسه نقلا صادقا غير منقوص . هذه المقالة ، أو القصيدة ، أو القصة ، أو الرواية ، أو الخطبة ، هي العمل الأدبي فهي الصلة بين الأديب والسامع أو القارئ ، وبها انتقل إحساس الأول إلى الثاني . ونستطيع أن نعرّف العمل الأدبي بأنه « التعبير عن تجربة للأديب بألفاظ موحية » والتعبير بالألفاظ ، هو الذي يميز الأدب من باقي الفنون الجميلة ؛ لأن الأدب يعبّر باللفظ ، بينما تعبر الموسيقى بالصوت ، والرسم باللون ، والنحت بالحجارة . ونعنى بالتجربة كل ما جربه الأديب ، ومر بنفسه من شعور ، سواء أكان حقيقيّا أم متخيلا ، فقد تكون حادثة صادفت المنشئ في حياته ، أو صادفت غيره ، وقد تكون قصة سمع بها ، أو منظرا رآه ، أو فكرة عرضت له ، أو وهما مر بخياله ، ومن هنا كان كل شئ في الحياة صالحا لأن يكون مادة للأديب ، يتخذ منها صورا لبيانه ، على شريطة أن يكون قد امتزج بشعوره ، وملك عليه جوانب نفسه ، ودفعه إلى الكلام ، ولهذا وجب أن يكون في التجربة أمر غير عادى مألوف ، وأن تكون ذات قوة ممتازة ، وشدة خاصة ؛ حتى تبعث في الأديب القوة الضرورية ، لمجهود أدبى ، يستطيع به أن يصف التجربة ، في صدق ودقة ، وإتقان وبراعة ، وبذلك يستطيع أن يبعثها مرة أخرى في نفوس قارئيه ، أو سامعيه . هذا ، وإن الحقائق العلمية قد يمزج بها الأديب إحساسه ، وينقلها بهذه الصورة إلى القارئ ، فتصبح عملا أدبيّا رائعا .