احمد احمد بدوي

10

من بلاغة القرآن

إن التجربة لا تكون بسيطة أبدا ، بل لا بدّ أن تكون مكونة مما تحمله الحواس إلى الفكر ، ومما يأتي به الفكر نفسه من معان ، يدعو بعضها بعضا ؛ فالواقف أمام نهر النيل مثلا ، لا تنقل إليه حواسه لون مائه ، وحركة موجه ، وما على جانبيه من حقول فحسب ، بل تنقل إليه أيضا رقة النسيم ، ولون السماء ، وما قد يكون فيها من سحاب ، وهو يضيف إلى ذلك إحساسات أخرى ، ولدها خياله ، كموازنة هدوئه بالبحر وثورانه ، وقد يطوف هذا الخيال بينابيعه ، وبالشعوب التي تعيش على ضفافه ، أو يعود متوغلا في القدم ، فيذكر ما قام على شاطئيه من حضارة ومدنية ، فإذا كانت تلك اللحظة الشعورية قوية ، تتطلب التعبير عنها ، فإن الأديب يستخلصها من بين ما يمر به من التجارب ، ويحتفظ بها في نفسه ، وكلما احتفظ بها ازدادت غنى ، بما ينضم إليها من ألوان الإحساس ، وبتداعى المعاني ، فإذا أراد أن ينقل تجربته إلى غيره ، وجب أن ينقلها كاملة ، فلا نكتفي منه بأن يصور لنا المنظر الذي رآه ، أو يذكر الإحساس الذي خالطه عندما رآه ، بل يجب أن يؤدى تجربته كاملة الأجزاء ، لما شاهده وما أحسه معا ، مرتبطين ارتباطا وثيقا ، حتى يحس بها القارئ إحساسا كاملا وتنتقل إلى شعوره ، فيتخيلها كما أدركها منشئها ، وبمثل هذا التناول يخلد الأديب لحظة من لحظات شعور مرت به في حياته . إن في الإنتاج الأدبي لعملا إراديّا للأديب ، ذلك أنه يتناول تجربته ، وهي مكونة من أجزاء ، فيرتبها ترتيبا منسقا ، ثم يأخذ في إيضاح سلسلة خواطره ، واحدا واحدا ، على أن يكون لكل خاطر منها دخل في تصوير التجربة وإكمالها ، فيكون له وجود من أجل نفسه ، ووجود من أجل الكل الذي هو جزء منه ، وبجمع هذه الأجزاء ، تصير التجربة وحدة متسقة ، وكلا موحدا ، يتصل كل جزء فيها بسائر الأجزاء ، أما إذا كان بعض الأجزاء لا دخل له في تكوين الصورة ، ولكنه جاء بطريق الاستطراد ، أو لم تكن التجربة مسلسلة الخواطر ، يرتبط بعضها ببعض ، فإنها تنقل إلى السامع مشوهة ، لا صلة بين أجزائها ولا اتساق ، وهاك تجربة لقتيلة بنت الحارث ، وقد أخذت تعاتب الرسول ، لقتله أخاها النضر ، برغم قرابته له ، واتصاله بنسبه : أمحمد يا خير ضنء « 1 » كريمة * في قومها ، والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت ، وربما * منّ الفتى ، وهو المغيظ ، المحنق والنضر أقرب من أصبت وسيلة * وأحقهم ، إن كان عتق ، يعتق ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه * للّه أرحام هناك ، تشقق

--> ( 1 ) الضنء بالفتح الولد ويكسر .