احمد احمد بدوي
61
من بلاغة القرآن
جهة الجناس بين الجنى والجنتين ، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها ، ومن جهة مؤاخاة الفواصل . ومنها قوله تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ( العنكبوت 48 ) . أحسن من التعبير بتقرأ لثقله بالهمزة . ومنها : لا رَيْبَ فِيهِ ( البقرة 2 ) . أحسن من ( لا شك فيه ) لثقل الإدغام ، ولهذا كثر ذكر الريب . ومنها : وَلا تَهِنُوا ( آل عمران 139 ) . أحسن من ( ولا تضعفوا ) لخفته . و وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ( مريم 4 ) . أحسن من ( ضعف ) ؛ لأن الفتحة أخف من الضمة ، ومنها « آمن » أخف من « صدق » ، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق . و آثَرَكَ اللَّهُ ( يوسف 91 ) . أخف من ( فضّك ) و ( آتى ) أخف من ( أعطى ) و ( أنذر ) أخف من ( خوّف ) و ( خير لكم ) أخف من ( أفضل لكم ) والمصدر في نحو : هذا خَلْقُ اللَّهِ ( لقمان 11 ) . ( يؤمنون بالغيب ) أخف من ( مخلوق ) و ( الغائب ) و ( نكح ) أخف من ( تزوج ) ؛ لأن فعل أخف من تفعّل ، ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر ، ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ الرحمة ، والغضب ، والرضا ، والحب ، والمقت ، في أوصاف اللّه تعالى مع أنه لا يوصف بها حقيقة ؛ لأنه لو عبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام ، كأن يقال : يعامله معاملة المحب ، والماقت ، فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة ، لخفته ، واختصاره ، وابتنائه على التشبيه البليغ ، فإن قوله : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ( الزخرف 55 ) . أحسن من ( فلما عاملونا معاملة المغضب ) أو ( فلما أتوا إلينا بما يأتيه المغضب ) أه « 1 » . وهناك لفظتان أبى القرآن أن ينطق بهما ، ولعله وجد فيهما ثقلا ، وهما كلمتا « الآجر » و « الأرضين » . أما الأولى فقد أعرض عنها في سورة القصص ، فبدل أن يقول : ( وقال فرعون : يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى ، فهيئ لي يا هامان آجرا ، فاجعل لي صرحا ، لعلى أطلع إلى إله موسى ) . قال : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى ( القصص 38 ) . وأما الثانية فقد تركها في الآية الكريمة : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( الطّلاق 12 ) . هذا ومما ينبغي الإشارة إليه أن القرآن قد أقل من استخدام بعض الألفاظ ، فكان يستخدم الكلمة مرة أو مرتين ، وليس مرجع ذلك لشئ سوى المقام الذي يستدعى
--> ( 1 ) الإتقان ج 2 ص 125 .