احمد احمد بدوي
62
من بلاغة القرآن
ورود هذه الكلمة . وللقرآن استعمالات يؤثرها ، فمن ذلك وصفه الحلال بالطّيب ، وذكر السّجّيل مع حجارة ، وإضافة الأساطير إلى الأولين ، وجعل مسنون وصفا للحمأ ، ويقرن التأثيم باللغو ، وإلّا بذمّة ، ومختالا بفخور ، ويصف الكذاب بأشر . ووازن ابن الأثير بين كلمات استخدمها القرآن وجاءت في الشعر ، فمن ذلك أنه جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر ، فجاءت في القرآن جزلة متينة ، وفي الشعر ركيكة ضعيفة . . . أما الآية فهي قوله تعالى : فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ( الأحزاب 53 ) . وأما بيت الشعر ، فهو قول أبى الطيب المتنبي : تلذ له المروءة ، وهي تؤذى * ومن يعشق يلذ له الغرام وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة ، إلا أن لفظة تؤذى قد جاءت فيه وفي آية القرآن ، فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها ، وحسن موقعها في تركيب الآية . . . وهذه اللفظة التي هي تؤذى إذا جاءت في الكلام ، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها ، متعلقة به ، كقوله تعالى : إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة ، ألا ترى أنه قال : تلذ له المروءة وهي تؤذى ، ثم قال : ومن يعشق يلذ له الغرام ، فجاء بكلام مستأنف ، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي ، وأضيف إليها كاف الخطاب ، فأزال ما بها من الضعف والركة ، قال : « باسم اللّه أرقيك ، من كل داء يؤذيك » « 1 » . وكذلك ورد في القرآن الكريم ، إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ، فلفظة ( لي ) أيضا مثل لفظة يؤذى ، وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها ، وإذا جاءت منقطعة لا تجىء لائقة ، كقول أبى الطيب أيضا : تمسى الأماني صرعى دون مبلغه * فما يقول لشئ : ليت ذلك لي « 2 » وهنا من هذا النوع لفظة أخرى ، قد وردت في القرآن الكريم ، وفي بيت من شعر الفرزدق ، فجاءت في القرآن حسنة ، وفي بيت الشعر غير حسنة ، وتلك اللفظة هي لفظة القمل ، أما الآية فقوله تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ( الأعراف 133 ) . وأما بيت الشعر فقول الفرزدق : من عزه احتجرت كليب عنده * زريا ، كأنهم لديه القمّل وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون هذا البيت من الشعر ؛ لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن كلام ، ولم ينقطع الكلام عندها ، وجاءت في الشعر قافية
--> ( 1 ) المثل السائر : ص 57 . ( 2 ) المرجع السابق : ص 58 .