احمد احمد بدوي
51
من بلاغة القرآن
الطبيعة كما كانت ، فاستقرت سفينة نوح ومن معه على الجودى ، وتنفس الكون الصعداء ، فقد طهر من القوم الظالمين . وقد يتجمع الحسن حول حرف واحد في الآية ، يثير في نفسك ألوانا من المعاني ، لا تجدها إذا استبدلت به حرفا آخر ، واستمع إلى قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 ) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) ( الروم 55 ، 56 ) . ألا تشعر بما حول هذه الفاء ، من استفهامات تثيرها ، فكأن الذين أوتوا العلم والإيمان يقولون لمنكري البعث : ألا تزالون مصرين على إنكاره ؟ وما ذا أنتم فاعلون ؟ وكيف تلقون ربّا أنكرتم لقاءه ؟ وشبيه بهذا قول الشاعر ، وقد تمثل به أبو بكر ، حين أتاه كتاب خالد بالفتح وهزيمة الأعاجم : تمنانا ، ليلقانا بقوم * تخال بياض لأمهم السرابا فقد لاقيتنا فرأيت حربا * عوانا ، تمنع الشيخ الشرابا فتأمل موضع الفاء في قوله : فقد لاقيتنا ، أو لا ترى فيها معنى الاستخبار عما شاهده الأعداء منهم ، عندما لا قوهم ، ومعنى الإخبار بأنهم أبلوا خير البلاء ، وكانوا في الحرب أبطالا مغاوير ، وكذلك تأمل موضع الفاء في قول العباس بن الأحنف : قالوا : خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم القفول ، فقد جئنا خراسانا أو لا ترى فيها معنى اللهفة على استنجاز الأمل ، والشوق القاتل إلى العود إلى الوطن المفارق ، والمطالبة بتنفيذ ما وعد به ، قبل أن يبدأ رحلته . تخير اللفظ يتأنق أسلوب القرآن في اختيار ألفاظه ، ولما بين الألفاظ من فروق دقيقة في دلالتها ، يستخدم كلا حيث يؤدى معناه في دقة فائقة ، تكاد بها تؤمن بأن هذا المكان كأنما خلقت له تلك الكلمة بعينها ، وأن كلمة أخرى لا تستطيع توفية المعنى الذي وفت به أختها ، فكل لفظة وضعت لتؤدى نصيبها من المعنى أقوى أداء ، ولذلك لا تجد في القرآن ترادفا ، بل فيه كل كلمة تحمل إليك معنى جديدا . ولما بين الكلمات من فروق ، ولما يبعثه بعضها في النفس من إيحاءات خاصة ، دعا القرآن ألا يستخدم لفظ مكان آخر ، فقال : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ( الحجرات 14 ) . فهو لا يرى التهاون في استعمال اللفظ ولكنه يرى التدقيق فيه ليدل على الحقيقة من غير لبس ولا تمويه ،