احمد احمد بدوي

5

من بلاغة القرآن

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وبه نستعين المقدمة الحمد للّه رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام على رسوله النبي الأمىّ الذي يؤمن باللّه وكلماته . وبعد : فإن دراسة النص الأدبي دراسة كاملة تتطلب الوقوف عند لبناته الأولى التي هي المفردات ، لتبين مدى الإصابة في اختيارها ، ومدى تمكنها في موضعها من جملتها ، وقوة ربطها بأخواتها ، وقديما قال القدماء وأصابوا : إن لكل كلمة مع صاحبتها مقاما . فإذا ما درست المفردات هذه الدراسة الفنية ، درست الجملة في النص ، لإدراك سر قوتها وجمالها ، وهنا المجال فسيح أمام علوم البلاغة الاصطلاحية ، التي تدرس أسباب الجمال في تكوين الجملة العربية ، فتبحث لم قدّم هذا الجزء من الجملة ، ولم أخر ذاك ، ولما ذا حذف هنا ، وأثبت هناك ، ولم جاء هنا التعريف ، وهناك التنكير ، ولم استخدم الخبر في موضع الإنشاء ، ولم عبر هنا بالمجاز ، وكيف جمل هنا التشبيه ، وراق في هذا الموضع الجناس ، إلى غير ذلك من أبحاث تتصل بالجملة والجملتين . ونمضى بعدئذ إلى دراسة النص برمته ، ننظر إليه وحدة متصلة الأجزاء ، فنرى مدى ارتباط بعضه ببعض ، ومدى تضافر أجزائه على رسم الصورة التي يريد النص توضيحها ، ومدى الإصابة في ترتيب هذه الأجزاء ، كي يؤدى سابقها إلى لاحقها ، حتى إذا تم النص صارت فكرته واضحة في النفس ، جلية مؤثرة . ولا بدّ من دراسة المعاني التي حواها النص ، لمعرفة القوى منها والضعيف ، وما له دخل في تكوين الصورة وما هو دخيل ، وكيف نضّدت هذه المعاني ونسقت ، حتى التأمت وحدة تنبض بالحياة . لا نقف إذا من دراسة النص عند حد التأمل فيما أودعه من تناسق لفظي ، أو جمال في الأسلوب ، ولكن لا بدّ من دراسة ما بين اللفظ والمعنى من تآخ وتناسب ، ودراسة ما اختير من المعاني ، لمعرفة مدى تأثيرها في الفكر ، وإثارتها للوجدان ، فإن النفس الإنسانية تنقاد بهما ، وتخضع لهما .