احمد احمد بدوي
6
من بلاغة القرآن
والقرآن الكريم أمة وحده في البلاغة العربية ، فأردت أن أتبين بعض أسرار سموه ، عساى أدرك سبب ما كان له من تأثير في النفوس ، وسلطان على القلوب ، وقد سرت في دراستي على هذا المنهج الذي تحدثت عنه ؛ فقسمت البحث كتابين ، خصصت الكتاب الأول منهما بدراسة البلاغة في اللفظ والأسلوب ، وخصصت الثاني بدراسة المعاني ، فبدأت بمقدمات تمهيدية تحدد معنى الأدب ، وتبين ميدان عمله في النفس الإنسانية ، وكيف نقرؤه قراءة صحيحة نافعة مؤثرة ، وتدرس العلوم التي يحتاج إليها الأديب منتجا أو ناقدا ، وتشرح المنهج الأدبي في القرآن ، وتعرض وجوه إعجازه ، لبيان الرأي الذي نختاره من بينها ، ثم عقدت فصلا لدراسة اللفظة المفردة في القرآن ، تناولت فيه كيف تخيرت هذه الألفاظ تخيرا دقيقا ، لتدل على معانيها في دقة وإحكام ، وكيف تقع الفاصلة من الآية موقع الجزء الذي به تمام المعنى ووفاؤه ، وحددت معنى الغريب والزائد وما في استخدامهما واستخدام المعرب من ألوان البلاغة ، وفي الفصل الثاني طبقت تطبيقا فنيّا ما وعته علوم البلاغة الثلاثة ، متجنبا كل التجنب المناقشات الفلسفية ، البعيدة عن روح البلاغة ، والتي كانت سببا في وأد الروح الفنى حينا طويلا من الزمن ، وتحدثت في الفصل الثالث عن السورة ، لتبين منهجها ومدى وحدتها ، محللا بعض السور ، كي تتضح الفكرة وتنجلى ، وختمت الكتاب الأول بفصل عن دراسة أسلوب القرآن ، أتبين ما أستطيع أن أتبينه من خصائص هذا الأسلوب ، وإني أقرر أن مثل هذه الدراسة تحتاج إلى المعاودة مرة أخرى ، لتعرف ألوان الأساليب القرآنية وتصنيف هذه الألوان ، تبعا للمعاني التي تناولتها ، لمعرفة خصائص كل لون على حدة ، فيدرس مثلا أسلوب السور المدنية ، وأسلوب الأحكام ، وأسلوب القصص ، وأسلوب الوصف ، وهكذا ، ويوازن بين كل نوع وصاحبه ، ومثل هذه الدراسة المجدية تحتاج إلى إنعام نظر ، وصبر ، وأناة ، وطول وقت ، مما أرجو أن يوفقني اللّه إليه في القريب إن شاء اللّه . وخصصت الكتاب الثاني بدراسة بعض المعاني القرآنية ، فدرست كيف تناول القرآن هذه المعاني ؟ وما الذي عنى به من بين عناصرها ؟ وكيف تناول هذه العناصر ؟ ليؤثر في النفس الإنسانية ، ولم كان هذا التأثير خالدا ؟ . واللّه المسؤول أن يوفقنا إلى الصواب ، وأن يهدينا سواء السبيل . حلوان الحمامات في : 4 صفر سنة 1370 14 نوفمبر سنة 1950