احمد احمد بدوي

42

من بلاغة القرآن

جسدية ، لا يعنى الأدب بإثارتها ، وهنا يصح أن نشير إلى أن القرآن ، وقد نزل للناس جميعا ، عنى بأن يستميلهم إليه ، وفيهم المثالي ذو اللذة الروحية السامية ، والواقعي الذي لا يسمو روحه عن واقع الحياة ، فنزل القرآن وفيه هذان الاتجاهان ، حتى يجد فيه كلا الفريقين بغيته . ومما هو جدير بالذكر أن اللذائذ إنما وصفت في معرض الحديث عن الجنة ، وأن القرآن يجمع فيها بين الواقعية والمثالية ، فتراه يقول : وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ( محمد 15 ) . ويختم حديثه عن الجنة في سورة الرحمن بقوله تعالى : تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 78 ) ( الرحمن 78 ) . كما أنه يتحدث عن الأمن وضمان الخلود في جنة الخلد ، وهي لذائذ روحية ، ويضم إلى وصف الجنة ونعيمها أنه لا لغو فيها ولا تأثيم ، إلا قيلا سلاما سلاما ، وهكذا يجد الواقعي في وصف الجنة طلبته ، ويجد المثالي أمنيته ، على أن كثيرا من هذه اللذائذ الجسدية يبعث الراحة في النفس ، والاطمئنان إلى بهجة الخلود ، أفلا تطمئن النفس إلى هذه الأنهار الجارية ، والعيون المتفجرة ، والأشجار ذات الغصون الوارفة ، والثمار الدانية ، والزوجات الحسان المقصورات في الخيام ، وهل يثير ذلك لذة جسدية فحسب ، ولا يثير فيها معنى الأنس والحنان ؟ ! وفي الحق أن هناك مبالغة كبيرة في ادعاء أن تلك الصفات خالصة لإثارات جسمية محضة . * * *