احمد احمد بدوي

43

من بلاغة القرآن

إعجاز القرآن جاء محمد بدينه الجديد ، يدعوهم إلى ترك ما ألفوه ، من عبادة الأوثان ، وما اعتادوه في حياتهم الاجتماعية ، والدينية ، والاقتصادية ، ويفرض عليهم فروضا ، تتعب أبدانهم : من صوم ، وصلاة ، وتنقص أموالهم : من صدقة ، وزكاة ، ويحرم عليهم الخمر والميسر ، وألوانا من الزواج كانت مألوفة عندهم ، وغير ذلك من فروض وتكاليف ، وجدوا حمل أعبائها ثقيلا عليهم ، وتعرض محمد لهم ، فسب آلهتهم ، وسفه أحلامهم ، وأثار ثائرتهم ، فهبوا يدفعون محمدا بكل قوتهم ، وقدم لهم القرآن دليلا على صدق دعوته ، وبرهانا على أنه رسول ، وتحداهم ، إذا كانوا في مرية من أمره ، أن يأتوا بقرآن مثله ، فقال : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( الإسراء 88 ) . قرأ محمد ذلك على ملأ من قومه ، والمعارضين منهم ، فأبلسوا ، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ( هود 13 ) ، فعجزوا فتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة قل : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( البقرة 23 ، 24 ) . وقد كان العرب عند مبعث محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) في نهضة لغوية شاملة ، فيهم نوابغ الشعراء ، ومصاقع الخطباء ، ولهم - كما يقول الجاحظ - « القصيد العجيب والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة ، والقصار الموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج ، واللفظ المنثور » ، وكانوا يتنافسون على الفصاحة والبلاغة والذلاقة ، ويتبجحون بذلك ويتفاخرون بينهم « 1 » والقرآن نفسه يعترف بلددهم ، وشدة خصومتهم ، فقال عنهم : بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( الزخرف 58 ) . وقال لمحمد : لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) ( مريم 97 ) . ولكنهم وقفوا في حيرة من أمر هذا الكتاب ، فقد وجدوا له في أنفسهم تأثيرا بالغا ، لا يجدونه لغيره من ألوان الكلام ، فنسبوه حينا إلى السحر ، وحينا إلى الشعر : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( المدثر 24 ) . بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ

--> ( 1 ) إعجاز القرآن للباقلاني ص 26 .