احمد احمد بدوي

37

من بلاغة القرآن

بها جلودا غيرها ، لا تلبث أن تنضج كرة أخرى ، فتتبدل ، وهكذا دواليك . وأي خوف شديد يملك المرء من هذا المصير المؤلم . وخذ مثلا هذا الجزء من قصة إبراهيم ، وهو قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) ( الأنعام 74 - 82 ) . ألا يملأ نفسك إعجابا هذا الحوار بين إبراهيم وأبيه وقومه ، وهذا التأمل من إبراهيم فيما يحيط به ، ويسترعى نظره في الكون ، أو لا تحس بالقلق الذي استبد بإبراهيم وهو ينشد اللّه ، وبالراحة التي غمرته عندما اهتدى إليه ، أو لا تشعر بالغبطة كما شعر بها إبراهيم ، وهو يتجه إلى الذي فطر السماوات والأرض ، أو لا يثور في نفسك الرغبة في هذا الأمن ، الذي يناله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ؟ ! كل أولئك إثارات وجدانية تحركها في نفسك هذه القصة ، فتحب إبراهيم وتعجب به ، ويدفعك ذلك إلى الاقتناع بما اقتنع به إبراهيم . وخذ قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) ( ق 6 - 11 ) . فهو بتلك الآيات يثير في النفس شعور الإجلال لعظمة الخالق ، الذي بنى السماء بناء محكما ، وزينها نهارا وليلا ، ومد الأرض ، ورفع الجبال في أرجائها ، وأنبت فيها بهيج النبات ، وشعور الإعجاب بهذا المطر ، ينزل من السماء فيحيى الأرض بعد موتها ، وينشئ الجنات ويرفع النخل باسقات ، ألا ترى أن شعور الإجلال والإعجاب يدفع إلى الإيمان بقدرة اللّه على البعث والنشور .