احمد احمد بدوي
38
من بلاغة القرآن
وخذ قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) ( البقرة 40 - 44 ) . ألا تراه يثير فيهم شعور العرفان بالجميل ، عند ذكر نعمه التي أنعم بها عليهم ، وهذا العرفان بالجميل يدفعهم إلى الوفاء بالعهد ، والإيمان بما أنزل ، لا أن يقابل منهم بالجحود ، والنكران ، وإلباس الحق ثوب الباطل ، كما أثار فيهم غريزة حب النفس ، عندما أنكر عليهم دعوتهم الناس إلى الخير ، ونسيانهم أنفسهم ، وهكذا اتصل الأمر والنهى بتلك الإثارات الوجدانية ، التي تحمل النفس على قبول الأمر والنهى . وخذ فاتحة الكتاب ، وهي من آيات الابتهال والتسبيح ، تر فيها الإثارات الوجدانية واضحة جلية ، فاتل قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) ( سورة الفاتحة 2 - 7 ) . ترى الحمد قد قرن بما يثير في النفس الحب والإجلال معا ، فاللّه المنعم بجليل النعم ودقيقها ، مالك يوم الدين ، يبعث في النفس الفرح عند انتهاجها الصراط المستقيم ، بأنها ستكون مع الذين أنعم اللّه عليهم . ويقرن اللّه سبحانه وتعالى أوامره بإثارات عاطفية ، تدعو إلى قبولها والعمل بها ، وها هو ذا ، كما رأينا ، يذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم ، هذا التذكير الذي يدفعهم إلى عرفان الجميل ، فيوفون بعهده ، ويرهبونه ، ويؤمنون بما أنزل مصدقا لما معهم . ويذكرنا برقابته لنا حتى نخافه إذ يقول : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( النساء 58 ) . ويثير فينا النخوة التي تدفعنا إلى الدفاع عن الضعاف والنساء والأطفال ، ويصور لنا لهفة هؤلاء على من ينصرهم ، فيبعث في نفوسنا إحساس الرفق ، وعامل الشفقة ، ويرسم لنا من يقاتل ذيادا عن أولئك مقاتلا في سبيل اللّه ، واستمع إليه سبحانه يقول : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ