احمد احمد بدوي

34

من بلاغة القرآن

حياتهم ، وخوفهم أن ينكشف أمرهم ، فهم في اضطراب نفسي شديد ، وشرحت الآية ما يصيب السائر من الفزع ، من جراء الرعد يصم أذنيه ، وتحدثت الآية الثانية عما أضمره لهم البرق والظلمات ، من إخافة وإرهاب ، فقال سبحانه يكاد البرق يخطف أبصارهم ، وفي استخدام يَخْطَفُ تصوير بأمر محسوس ، يبعث في النفس خوفا . فكأن يدا تمتد نحو السائر تسلب منه نور عينه ، والمجيء بكلما يوحى بهذه اللهفة التي تملأ قلوبهم ، والرغبة في الخروج من هذه الظلمات المتكاثفة ، فلا يكاد النور يبدد هذه الظلمة قليلا ، حتى ينتهزوا الفرصة فيمشوا ، وإذا أظلم عليهم قاموا ، وفي كلمة عَلى ما يدل على شدة وطأة الظلام عليهم ، وفي قامُوا ما يوحى إليك بتكاثف الظلمات حولهم ، فلا يكادون يحركون أقدامهم ، عندما تطبق عليهم هذه الظلمات . وهكذا تستطيع بالقراءة الأدبية أن تصل إلى تصور ما يراد من النص أكمل تصور وأوفاه . وبعد هذه القراءة المتذوقة ، تقف لترى مقدار ما في هذا النص ، من تلاؤم بين ألفاظه ومعانيه ، وتلك هي القراءة الناقدة كما ذكرنا ، فنرى الآيات تصف هذا الاضطراب في نفسية هؤلاء المنافقين ، وما يظنون أنهم يقومون به من خداعهم للّه والمؤمنين ، وعنيت الآيات بوصف ضلالهم وخسرانهم ، برغم ما في عصرهم من نور ، لا يكاد يضيء أمامهم الطريق قليلا ، حتى يطبق الظلام مرة ثانية عليهم ، لأنهم لم يستعملوا آذانهم ، فيما خلقت له ، من الاستماع إلى صوت الحق ، ولا ألسنتهم في التعبير عنه تعبيرا ينبعث عن قلوبهم ، ولا أعينهم في الاهتداء بما ترى ، إلى الحق والصواب . ذلك موقفهم من دعوة الحق ، أما أنفسهم المضطربة الخائفة ، فقد ضربت الآيات لها مثلا : هذا الذي يحيط به الصيب ، فيه ظلمات ورعد وبرق ، وبهذا كله صورت الآيات من هؤلاء المنافقين ، صلتهم بالمجتمع الذي يعيشون فيه ، بين مسلمين وكافرين ، وموقفهم من النور الذي أضاء عصرهم ، وتغلغلت إلى أعماق نفوسهم ، فصورت خوفها واضطرابها ، وكل جزء من هذه الآيات له قيمته في هذا التصوير ، بحيث تستطيع أن تتخيل هؤلاء القوم ، وأن تستمع إليهم ، وقد التقوا بالمؤمنين ، فقالوا لهم : آمنا ، ومضوا إلى شياطينهم ، فقالوا لهم : إنا معكم ، وتتخيلهم وهم يعملون جهدهم ، على أن يوقدوا نيران الفتنة ، ويسعون في الأرض فسادا ، فإذا قيل لهم : لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، قالوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، وتستطيع أن تتبين هذا المرض الذي أحاط قلوبهم بأكنة ، وخيل إليهم أنهم يستطيعون خداع المؤمنين ، بإظهار كلمة الإيمان لهم ،