احمد احمد بدوي

33

من بلاغة القرآن

النور ، ومضى به ، فكيف إذا كان الذاهب به هو اللّه ، وفي إضافة النور إليهم ، ما يشعر بأنهم كانوا قد اطمأنوا إلى النور ، وفرحوا به ، فيكون الذهاب به أشد إيلاما وأنكى ، وجمع ظلمة ، ليشير إلى هذا الظلام المتكاثف ، والحلكة المتراكم بعضها فوق بعض ، وتأمل بعدئذ هذه الصفات التي خرجوا بها عن أن يكونوا من البشر ، بل عن أن يكونوا من الحيوان ، ما داموا قد عطلوا مواهبهم ولم ينتفعوا بها ، وكان لنسق هذه الصفات على وزن واحد أثر موسيقى مؤثر . والآيتان التاليتان استمرار في وصف حيرة هؤلاء المنافقين ، فمثّلهم القرآن بحال من حصرتهم السماء بصيب ، وفي هذه الكلمة ما يوحى بقوة المطر وشدة بطشه ، فهو ليس بغيث ينقذ الأرض من ظمئها ، ولكنه مطر يصيبها ويؤثر فيها ، وفي النص على أنه من السماء ، ما يوحى بهذا العلو الشاهق ، ينزل منه هذا المطر الدافق ، فأي رعب ينبعث في القلب من جرائه ، وفي المجيء بكلمة فِيهِ ما يدل على أن هذه الظلمات ، والرعد ، والبرق ، كأنما سكنت هذا الصيب ، وكأنما تنزل معه من السماء ، وفي إيثار الظلمات جمعا ، على المفرد ما سبق أن أشرنا إليه ، وفي تنكيرها ، وتنكير الرعد ، والبرق ما يشير إلى أنها من القوة والإزعاج ، إلى درجة لا يستطاع تحديدها ، وفي كلمة الأصابع ما يوحى بهذا الذعر ، الذي استولى عليهم من شدة الأصوات الرعدية المرعبة ، فهم يحاولون إبعاد صوتها عنهم ، وكلما زادت شدة الصوت ، زادوا من إدخال هذه الأصابع ، علها تسد أذانهم ، واختيار كلمة يجعلون ، وإيثارها على يضعون مثلا ، للإشارة إلى أن أصابعهم لطول ما صارت في آذانهم ، أصبحت كأنها مركبة معها ، أما الوضع فلا يستفاد منه هذا الثبات والاستمرار ، وبرغم أن المعنى على أن كل فرد منهم يضع إصبعا في أذن ، لا نستطيع أن نبعد عن أنفسنا هذا الجو الذي خلقه حولنا استخدام الجمع ، الموحى بمقدار الهلع الذي أصاب أفئدتهم ، لهذا الصوت المنكر ، حتى لكأنهم يريدون إبعاده ، بوضع كل ما يملكون من أصابع في آذانهم . وجمع الصواعق إيذان بما اصطلح على إزعاجهم من صواعق رهيبة ، لا صاعقة فحسب . وكلمة حذر تدل على شدة شعورهم بقرب الموت منهم ، وإسناد الإحاطة إلى اللّه فيه من الجلال والرهبة ما فيه ، واختيار كلمة مُحِيطٌ يدل على شمول العذاب لهم ، وإحاطته بهم من كافة الأرجاء ، فهم لا يستطيعون الإفلات منه أينما ساروا ، وفي إيثار كلمة الكافرين على المنافقين ، بيان لحقيقة حالهم ، وأن النطق باللسان لا يغنى عن الحق شيئا . تحدثت الآية الكريمة عن هذا الصيب ، وأن فيه ظلمات ورعدا وبرقا ، وذكرت أن حال المنافقين في خوفهم وهلعهم ، كحال السائر في هذا الصيب ؛ لاضطراب