احمد احمد بدوي
32
من بلاغة القرآن
معكم ، أكدوا لرؤسائهم شدة إخلاصهم لهم ، حتى لا يدعوا لهؤلاء الرؤساء سبيلا إلى الشك في إخلاصهم ، بسبب ما يظهرونه بألسنتهم للمؤمنين من الإيمان ، وفي مَعَكُمْ ما يشعر بهذا الرباط القلبي ، الذي يربط المنافقين برؤسائهم ، وفي اختيار القصر وأداته في الجملة الثانية : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ، ما سبق أن ذكرنا فكأنهم يقولون لشياطينهم : إن استهزاءنا بالمؤمنين عندما نقول لهم : آمنا ، واضح ، لا يمكن أن يكون سببا لشككم في إخلاصنا لكم ، وأن قلوبنا معكم ، واختاروا الجملة الاسمية يدلون بها على ثبوت هذا الخبر واستقراره . واختار اللّه في الرد عليهم أن يأتي باسمه دون صفة من صفاته ، ليوحى إلينا بهذا الجلال ، الذي يحيط بذلك الاسم المقدس ، وأنه هو الذي سيتولى الاستهزاء بهم ، وكلمة يستهزئ تصور هذا الجزاء الساخط ، الذي يقابل به اللّه استهزاءهم ، ليصور بأمر محسوس ، أمرا معنويّا ، هو تركهم في ضلالهم لا يهتدون ، واختيار كلمة الطغيان ، توحى بالخروج في قوة عن الطاقة المألوفة في العصيان والفجور ، والعمة في الآية ، يصور لنا مدى تردد هؤلاء القوم في غوايتهم ، وأنهم لا يهتدون إلى الحق والصواب ، فهم في حيرة من أمرهم كالأعمى ، يسير على غير هدى ولا اطمئنان . وامض في قراءة الآية التالية ، وتأمل وجه استخدام اسم الإشارة ، يشير به إلى طائفة قد اتصفت بتلك الصفات الخادعة ، وكان لها أثرها في الحكم عليهم ، وفي كلمة اشترى ، ما يدل على إيثار هؤلاء القوم للضلالة على الهدى ، واختار كلمة الضلالة هنا ، وآثرها على الكفر والنفاق مثلا ، ليتسنى بيان حال ما اختاروه في إيجاز ، ووضع الهدى بجوار الضلالة ، ليتأتى في يسر معرفة مدى خسران هؤلاء القوم ، وضعف عقولهم ، ونفى الربح عن التجارة ، ولم ينفه عن المتجرين ، للإشارة إلى أن هذه التجارة بطبيعتها تجارة خاسرة ، بقطع النظر عن المتجرين بها ، وفي ما كانُوا مُهْتَدِينَ إشارة إلى جهلهم ، باختيار هذه التجارة الخاسرة . وفي الآية التالية تستوقفنا كلمة استوقد نارا ، فنتبين فيها حال رجل ، قد أحاطت به حلكة الظلام ، فهو يطلب جاهدا نارا تضيء له مسالك السبيل ، والسين والتاء يدلان على هذا البحث القوى ، والطلب الجاد ، وفي كلمة أضاءت ما يدل على أنه قد أوتى أكثر مما كان يطمح إليه ، فلقد كان يبحث عن نار ، أيّا ما كانت ، فأوتى نارا قوية أضاءت ما حوله ، غير أن ذلك لم يلبث أن مضى وزال ، واستخدام ذهب بالنور أقوى من ذهب النور ؛ لأن في التعبير الأول دلالة على أن آخذا أخذ