احمد احمد بدوي
31
من بلاغة القرآن
الجملة بالتأكيد ؛ لأنه في مقام يريد أن يقتلع من الأذهان دعواهم العريضة في الإصلاح ، و ( هم ) الثانية ضمير فصل يؤكد الإسناد في الجملة ، وتعريف الطرفين يفيد قصر المسند على المسند إليه ، فكأن الإفساد مقصور عليهم ، لا يبرحهم إلى سواهم ، وجاء بلكن ، يريد أن يخبرنا بخبر جديد عن هذه الطائفة التي انحصر الإفساد في بنيها ، وأنه كان خليقا بهم أن يدركوا هذه الحقيقة ، لو كان عندهم قدر من شعور ، أما وهم قوم لا يشعرون ، فذاك هو السر في خفاء هذه الحقيقة البينة عنهم ، وفرق في التعبير بين وَما يَشْعُرُونَ في الآية السالفة ، وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ في تلك الآية ، فالجملة الأولى في مكانها تنبئ بأن حركة خداع النفس تمر بهم ، من غير أن يتنبهوا إليها ، فهو لا ينفى الشعور عنهم مطلقا بل ينفى شعورهم بخداع أنفسهم ؛ أما في هذه الآية فليس إفسادهم مما يقع منهم بلا شعور ، بل هم يفعلون عن رغبة وإصرار ، ولكنهم قد فقدوا التفكير ، الذي يزنون به الأمور بميزانها الصحيح . وتستطيع أن تمضى في قراءة الآية التالية ، كما مضيت في هذه الآية ، وقف فيها وقفة عند كلمتي النَّاسِ و السُّفَهاءُ تتبين في الكلمة الأولى مدى الأدب ، الذي استخدمه الداعي في دعوة هؤلاء القوم إلى الإيمان ، فهو لم يقل لهم آمنوا كما آمن العقلاء مثلا ، فيكون في ذلك جرح لشعورهم ، بما قد يكون فيه من تلميح بضعف عقولهم ، بل لم يزد في دعوته على أن دعاهم إلى الدخول فيما دخل فيه عامة الناس ، وفي ذلك منتهى الرفق واللين ، أما ردهم ففيه تبجح وعنف ، فقد ادعوا سفاهة هؤلاء الذين آمنوا . وقف كذلك عند كلمة يَعْلَمُونَ وتأمل سر اختيارها ، تر أن السفاهة إنما ترجع إلى العقل والتفكير ، فناسب ذلك نفى العلم عنهم ، وأما الآية السابقة فإفساد بأعمال يشعر بها ، فناسب هناك نفى الشعور . وامض كذلك في قراءة الآية التي ترسم ما عليه المنافقون من الخداع ، وما لهم من وجهين يقابلون المسلمين بأحدهما ، ويقابلون رؤساءهم بوجه آخر ، وقف عند كلمة خَلَوْا لترى ما توحى به إلى نفسك من جبن هؤلاء المنافقين ، الذين لا يستطيعون أن يظهروا ما تكنه قلوبهم ، إلا في خلوة لا يراهم فيها أحد ، وقف كذلك عند كلمة شياطين ، يراد بها رؤساء النفاق ، وتأمل ما توحى به من ضروب المكر والدهاء والفساد والضلال ، وانظر كيف كشف المنافقون أنفسهم أمام رؤسائهم ، في جملتين اثنتين ، دلتا على حقيقتهم ، ففي الجملة الأولى : قالوا إنا