احمد احمد بدوي

30

من بلاغة القرآن

بربه ، أو يصله بالناس ، واختار في الرد عليهم الجملة الاسمية في النفي ؛ ليدل بها على استقرار هذا النفي وثباته . هؤلاء المنافقون إنما يخدعون بعملهم هذا الذين آمنوا ، ولكن القرآن جعل الخداع للّه ، سخرية منهم ، واستهزاء بعقولهم ، واستخدم الفعل المضارع هنا ، يصور به حالهم ، ويحضر هذه الصورة أمام أعين السامعين ، واستخدم أداة القصر وهي ( ما ) و ( إلا ) ، ليردّ عليهم ردّا حاسما ، يبين أن خداعهم لن يضرّ أحدا غيرهم ، ولكن يصيبهم وحدهم أذاه ، وأوقع الخداع على أنفسهم ليكون ذلك مثار العجب أن يفعل ذلك من لديه مسكة من عقل ، وفي وَما يَشْعُرُونَ تصوير صادق لهؤلاء المنافقين ، الذين لا يدركون مغبة خداعهم ، واستخدام كلمة مَرَضٌ ، لما أصابهم من تغليب الهوى على العقل ، يوحى إلينا بأن عقولهم ، وقد تغلب عليها سلطان الهوى ، صارت غير مستطيعة أن تفكر تفكيرا سليما ، وأن تقوم بوظيفتها التي خلقت لها ، كالجسم يصاب بالمرض فلا يستطيع أداء وظيفته ، وفي الدعاء عليهم بزيادة المرض ، إيذان بغضب اللّه وسخطه عليهم ، واستخدام فِي في هذه الجملة ، يؤذن بتمكن المرض من قلوبهم ، فكأنما انطوت قلوبهم عليه ، وفي كلمة أَلِيمٌ - والعذاب لا يكون إلا مؤلما ، إبراز لأهمّ خصائص العذاب ، واختيار كانَ والمجيء بخبرها فعلا مضارعا ، يؤذن باعتيادهم الكذب ولجاجتهم فيه ، وجاء بالواو في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ، إشارة إلى مأثمة جديدة من آثامهم ، وأتى بالفعل : قِيلَ مبنيّا للمجهول ، مؤذنا بأن من الواجب عليهم أن ينظروا إلى القول من حيث هو ، بقطع النظر عن قائله ، وألا يجعلوا للقائل دخلا في تقديرهم ووزنهم ، واختار كلمة الْفَسادَ ليصور بها ما يقوم به هؤلاء المنافقون ، من تشكيك المؤمنين وتخذيلهم عن نصرة الرسول ، وبثّ الفتن في الأرض ، ونسب القول إليهم في قالُوا ؛ ليبين مدى تبجحهم ، وأنهم لا يبالون أن يقلبوا الحقائق ، ويطمسوا معالمها ، أما ردهم ، فقد استخدموا له أداة من أدوات القصر ، يريدون بذلك نفى الإفساد عنهم نفيا باتا ، وأن عملهم لا يعدو الخير والصلاح وبالغوا في ذلك حتى أوهموا أن نفوسهم قد قصرت على الإصلاح قصرا ، فهي لا يمكن أن تلم بفساد ، واختاروا من أدوات القصر إِنَّما التي تدل على أن الأمر من الوضوح ، بحيث لا يحتاج إلى دليل ولا برهان ، مبالغة منهم في التمويه والخداع ، واستفتح الرد عليهم بألا ؛ ليسترعى الأذهان إليه ، حتى تتنبه إلى الرد ولا يفوتها منه شئ ، وبدأ