احمد احمد بدوي

29

من بلاغة القرآن

النفوس ، إيماء إلى جفوتهم ، وأنهم لم يهذبوا ويصقلوا ، وتوجيه هذا الأمر إلى أمهم فيه ما فيه من التشنيع عليهم ، وفيه كذلك أنهم يبخلون بالماء ، فيستعيضون عنه بالبول ، وأن نارهم ضعيفة خافتة ، وتكفى بولة عجوز لإطفائها ، وأتى الشاعر بحرف الجر « على » الدال على الاستعلاء ؛ ليرسم صورة منفرة ، وهي صورة الأم ، وقد علت النار تبول عليها ، وتعريف النار إشارة إلى تلك النار المعهودة التي يستطاع اعتلاؤها والبول عليها ، ولم ينسبهم الشاعر إلى البخل صراحة ، وإنما أخبر عنهم بما يدل على أقبح ألوان هذا البخل . وهذه آيات من القرآن الكريم نقف عندها ، لنقرأها تلك القراءة الأدبية المتذوّقة ، قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) ( البقرة 8 - 20 ) . ألا ترى في اختيار كلمة النَّاسِ وعمومها ، عدم مجابهة المنافقين بتعيينهم ، وفي ذلك ستر عليهم ، وإغراء لهم بالإقلاع عن نفاقهم ، ذلك أنه ، ما داموا لم يعينوا ، من المتوقع أن يصغوا إلى القرآن ، فربما انصرفوا عن غيهم ، إذا استمعوا إلى تصوير حال ضلالهم ، وما هم فيه من حيرة واضطراب ، ولو أنه جبههم بكشف الستار عنهم ، لانصرفوا معرضين عن الإصغاء ، فلا يكون ثمة أمل في هدايتهم ، وكلمة يَقُولُ ، توحى بأن إيمانهم لم يتعد أفواههم ، وأجرى على ألسنتهم الإيمان بصيغة الماضي ، ليوهموا سامعيهم أنهم قد دخلوا في الإيمان منذ زمن بعيد ، زيادة منهم في التمويه والخداع ، وخص الإيمان باللّه وباليوم الآخر ؛ لأن الإيمان بهما يجمع كل ما يجب الإيمان به ، من كل ما يصل الإنسان