احمد احمد بدوي
28
من بلاغة القرآن
وبهذا استطاع الشاعر ، أن يصور لنا إحساسه الروحي بجمال الربيع ، ولكنه لم ينس حظ العينين من هذا الجمال ، فحدثنا عن الشجر ، وقد استعاد خضرته ونضارته ، ودبجته الأزاهير ، واختار الشاعر كلمة ( رد ) التي توقظ في نفسك ما كان عليه من تجرد ، لا تبهج العين رؤيته ، إذ سلب ثيابه ، فعاد حاليا بزينته وحليته ، واستخدم الشاعر كلمة ( نشّر ) المضعّفة الدالة على التكثير ، ليصور لك هذا المعرض الحي من معارض الطبيعة ، وكلمة ( منمنما ) توحى بدقة الوشى كأنما نسجته يد صناع ، ( ورق ) توقظ في النفس موازنة بين نسيم الربيع وهواء الشتاء الكثيف ، وفي كلمة ( حتى ) ما يدل على عمق الشعور برقة هذا النسيم ، والتلذذ به ، وفي المجيء بكلمة ( أنفاس ) جمعا وإيثارها على المفرد ، ما يوحى بأن نسيم الربيع يجيء متقطعا ، كالأنفاس ، حتى لا يمل ، ووصف الأحبة بالنعمة يوحى إليك بالهدوء ، فليست هي بزفرات حارة ، يخرجها صدر يحترق بالحب . وهاك بيتا « 1 » من الشعر ، قال الأصمعي عنه أنه أهجى بيت قالته العرب ، وهو : قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمو * قالوا لأمهم : بولي على النار فكل كلمة في هذا البيت تكاد تنطق بالهجاء والذم ؛ فتنكير ( قوم ) لتحقيرهم ، والإشارة إلى أنه لولا هذه الصفات التي تسمهم ، لكانوا نكرة في الصحراء ، لا يأبه بهم أحد ، والإيحاء بأن هذه الصفات الدنيئة إذا ذكرت ، وسمتهم ، فصاروا بها معروفين مميزين ، وكلمة ( إذا ) وهي تفيد الشرط ، تدل على أن مقدم الأضياف إليهم إنما هو في أوقات معينة قليلة ، وليس ذلك بعادة دائمة ( والسين والتاء ) في استنبح للدلالة على أن الأضياف كأنهم يمضون إلى الكلب ويعرضون له ، لينبح ، أما هو فيغط في نوم عميق ، فيلس لديه ما يحرسه ، ولم ير من قبل غرباء يطرقون هؤلاء القوم ، فلم يجد عملا فنام ، وربما كان عدم نباح الكلب ، لهزاله وضعفه من الجوع الذي يقاسيه في صحبتهم ، وجاء ( بالأضياف ) جمع قلة ، ليؤذن بأن من يقصد هؤلاء القوم عدد محدود قليل ، ونسب القول إليهم في ( قالوا ) وهو قول مزر ، للإشارة إلى سوء أدبهم ، وامتهانهم لأمهم ، والمجيء بلفظة ( أم ) وهي تستدعى أعظم ألوان التقدير ، يوحى بما آلت إليه حال هذه الأم عندهم ، ومن هوان وضعة ، حتى صارت لديهم في منزلة أقل من منزلة الخادم ، وإضافة الأم إليهم ، إشارة إلى لؤمهم ، ومبالغة في تحقيرهم ، وإيذان بأنه ما كان ينبغي أن يعاملوها تلك المعاملة ، وهي أمهم ، وأنطقهم بلفظ ( البول ) وهو مما يثير شيئا تتقزز منه
--> ( 1 ) راجع فنون الأدب ص 35 .