احمد احمد بدوي
27
من بلاغة القرآن
أن جمال الطبيعة في هذا الفصل قد جاء إليه ، وكأنه يدعوه إلى الابتهاج به ، والفرح بمقدمه وفي تعريف الربيع ( بأل ) العهدية ، ما يثير في النفس ما ألفته في هذا الفصل الرائع من جمال وحياة ، وفي اختيار كلمة ( الطلق ) ما يوحى بمعنى الحرية التي يشعر الناس بها في الطبيعة ، فليس فيها شذوذ بسحب متراكمة ولا مطر ، ولا أوحال في الطرق ، تقيد الناس وتحبسهم في بيوتهم ، ويشعرون بها في أنفسهم ، غير مقيدين بمنازلهم حينا ، وبنوع من الملابس حينا آخر ، وتأمل كلمة ( يختال ) فلعلها تصور لك اختيال الأزهار يداعبها مر النسيم ، وفي تعبيره ( يختال ضاحكا ) ما يوحى إليك بأن الشاعر لم يحس بالربيع مظاهر تراها العين فحسب ، ولكنه حياة تتدفق في جميع أرجاء الكون ، فيهتز عطفه اختيالا ، ويبتسم ضاحكا ، ويزداد شعور الشاعر بهذه الحياة ، ويقوى إحساسه بإفصاح الربيع عن جماله وبهائه ، فيخاله يكاد يتكلم ويبين ، ويطرد إحساس الشاعر بحياة الربيع ، فيرى هذه الأزهار التي تملأ الجو بأريجها مخلوقات ، كانت تغط في نوم عميق ، فجاءها الربيع ينبهها أن تستيقظ من رقادها ، وكأنما زارها في الدجى ، يؤكد ألا يسفر وجه الصباح ، حتى تكون قد أخذت بهجتها وازينت ، كي لا يضيع عليها شئ من جمال النهار ، وذلك هو السر في تنبيه الربيع لها ، في غسق الدجى ، ثم ألا ترى في استخدام ( ورد ) هنا ما يحمل إليك أريج أزهار الربيع ، وفي استخدام كلمة ( أوائل ) ما يشير إلى نشاط هذه الزهرات الأولى من أزهار الربيع ، وفي اختيار كلمة ( نوّم ) ما يوحى إليك بما كان فيه الزهر من غفلة عن جمال الحياة ، قبل أن ينبهه فصل الجمال ، وإن هذه الغفلة والنوم ليحتاجان إلى إيقاظ عنيف ، ولذلك استخدم الشاعر كلمة ( يفتق ) التي تدل على شئ من العنف ، ثم ألا ترى أن الدفء مبعث اللجاج في النوم ، فمن المعتاد أن البرد يوقظ النائم ، وبذلك ترى السر في اختيار ( برد الندى ) وسيلة لإيقاظ الأزهار ، ولما كان شعور الشاعر بتدفق الحياة في الكون قويّا دافقا ، أحس كأن هذا الورد يفشى سرّا ، كان يخفيه ، واختار لتعبيره كلمة ( يبث ) التي تشعر بأن الحديث الذي يذيعه الورد حديث في خفوت يشبه الهمس ، وقال ( مكتما ) لينقل إلى نفسك ما كان عليه جمال الزهرة قبل تفتحها من سرية محجوبة لا تبين ، فكثير من الزهر يتشابه قبل أن تتفتح أكمامه ، ويقف المرء أمامه ، لا يتبين ما يكون عليه أمره ، بعد أن يتفتح ، فجماله سر مكتم لا ينم عنه شئ ، واختار الشاعر كلمة ( حديث ) التي توحى بهذا التجاوب النفسي بين الطبيعة والإنسان .