احمد احمد بدوي
26
من بلاغة القرآن
القراءة الأدبية هي تلك التي يحاول القارئ فيها ، أن يستحضر في نفسه التجربة ، كما مرت بالأديب المنشئ ، وإذا كان الأديب يتخذ لنقل تجربته ألفاظا يختارها ، توحى إلى قارئه بمشاعره ، فالقراءة الأدبية ، هي التي يقف القارئ فيها أمام كل كلمة في النص الأدبي ، يتبين ما توحى به ، ويرى ما يحيط بها من الظلال ، ويتأمل سر اختيارها ، ليستخلص كل ما فيها ، من خواطر ومعان ، فيمارس التجربة التي مارسها المنشئ ، ويعيش اللحظة التي عاشها ومن هنا قالوا : إن الأدب يضيف عمرا إلى عمر قارئه ، بسبب هذه التجارب التي يستحضرها ، ويشعر بها نفسه . ويمر القارئ للأدب بثلاث مراحل ، فالمرحلة الأولى : هي التي يقرأ فيها النص الأدبي ليعيش في تجربته ، والمرحلة الثانية : هي مرحلة النقد ، وفيها يدرس القارئ ألفاظ النص ، ليرى قدرتها على التعبير عما أراده الأديب ، أو عجزها عن ذلك ، وفي المرحلة الثالثة : ينقد ما يكون قد اشتمل عليه ، من معان وآراء ، فيرى خطأه وصوابه ، وصدقه أو كذبه ، ولن يستطيع القارئ أن يصل إلى المرحلة الثالثة ، إلا إذا عاش التجربة كما عاشها منشئها ، وتقمص شعوره ، وحينئذ يحكم بصواب ما قرأ أو خطئه ، فالقراءة الأدبية ألوان ثلاثة : قراءة متذوقة ، وقراءة ناقدة ، وقراءة حاكمة ، ولكي تتبين كيف يقرأ الأدب قراءة متذوقة ، نأتى ببعض المثل ؛ لنرى تلك الآفاق الواسعة التي يفتحها أمام أنفسنا ذلك النوع من القراءة . قال البحتري في وصف الربيع : أتاك الربيع الطلق ، يختال ضاحكا * من الحسن ، حتى كاد أن يتكلما وقد نبه النيروز في غسق الدجى * أوائل وردكن بالأمس نوّما يفتقها برد الندى ، فكأنه * يبث حديثا ، كان قبل مكتما فمن شجر ، رد الربيع لباسه * عليه ، كما نشّرت وشيا منمنما ورق نسيم الريح ، حتى حسبته * يجيء بأنفاس الأحبة نعما ترى الشاعر قد جاء بكاف الخطاب في أول حديثه ، كأنما ينبه من يخاطبه إلى