احمد احمد بدوي

14

من بلاغة القرآن

إذا سارت الأحداج فوق نباته * تفاوح مسك الغانيات ورنده فهي تدل بصيغتها ، على هذه الموجات النسيمية ، تحمل في أردانها عبق المسك والرند . وكلمة صليل في قوله : وأمواه ، تصلّ بها حصاها * صليل الحلى في أيدي الغوانى فهي تسمعك وسوسة المياه تداعب حصاها . . وبعض ألفاظ اللغة ، أسلس على اللسان ، وأجمل وقعا على الأذن من بعض ، وهو جمال ظاهري ، يساعد الأديب على إيصال تجربته ، وعلماء البلاغة يذكرون من صفات الألفاظ المفردة ما يصح أن تلتمسه هناك . وفضلا عما للكلمات من خصائص يدركها إحساس الأديب ، كذلك النظم في العبارة الأدبية ، يحمل معنى أكثر مما تؤديه الجملة ، بجريها على النحو ، فإن هناك قوى يبثها المؤلف فيها ، عن غير عمد حينا وعن عمد حينا آخر ، فنجده يقدم ، ويؤخر ، ويذكر ، ويحذف ، ويصل ، ويفصل ، ويأتي ببعض ألوان المعارف دون بعض ، وحينا يدع المعرفة إلى النكرة ، وآنا يستخدم أداة من أدوات الطلب مكان أخرى ، أو يأتي بزخرفة في مكانها ، وقد وصل علماء البلاغة إلى إدراك كثير من هذه الأسرار ، فعقدوا علما يتحدث عن خصائص الجملة ودعوه علم المعاني ، وعلما للخيال الذي يعقد الصلة بين الأشياء ودعوه علم البيان ، وآخر لبعض ألوان الجمال ، وسموه علم البديع . ولكن خصائص النظم ، لا تقف عند حد الجملة ، بل إن للأساليب خصائص ، فمنها ما يناسب الانفعال السريع ، والحركة المتوثبة ، ومنها ما يناسب العاطفة الهادئة ، والحركة البطيئة ، وقد يدفع الإحساس الفنى الأديب ، إلى انسجام في النظم وموسيقى لفظية ، تساعد على الإيحاء ، وإن هذا الانسجام وهذه الموسيقى يصلان إلى الذروة في فن الشعر ، وبذلك يستطيع الأديب أن يصل إلى أسمى درجات التأثير . * * *